صحيفة: شخصية غامضة ضمن خيارات القسام بعد عودة والحداد

محمد أسعد30 مايو 2026آخر تحديث :
مصادر أمنية تكشف أسلوبًا جديدًا للاحتلال لاستدراج المطلوبين
حماس

تسببت الاغتيالات الإسرائيلية المتتابعة والمكثفة لقيادات «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، في تعقيد ظروف إدارة الحركة والكتائب على حد سواء؛ إذ غدت محاولات ملء الفراغ القيادي في رئاسة أركان «القسام» أكثر صعوبة وتعقيداً في هذه المرحلة التي تُصنف بأنها الأخطر في مسار الحركة التاريخي منذ تأسيسها عام 1987.

وعلى الرغم من وجود اتفاق مفترض لوقف إطلاق النار في قطاع غزة دخل حيز التنفيذ منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إلا أن إسرائيل واصلت استهداف واغتيال الكثير من عناصر وقيادات حركة «حماس» وجناحها العسكري «كتائب القسام»؛ حيث أقدمت خلال فترة زمنية وجيزة لم تتجاوز الأسبوعين على تصفية قائد «كتائب القسام» عز الدين الحداد، ثم اغتالت خليفته محمد عودة، بالإضافة إلى نائب قائد «لواء غزة» القائد الميداني البارز عماد أسليم، وجاءت هذه التصفيات بعد عقود طويلة من الملاحقة والمطاردة الأمنية، في حين نجا قائد رابع وهو القائد الجديد لـ«لواء الشمال»، والذي تُشير التقديرات والمعلومات المتاحة إلى أنه مصاب جراء الاستهداف.

وفي سياق متصل، كشفت مصادر من داخل حركة «حماس» لصحيفة «الشرق الأوسط» عن وجود خيارات وتوجهات متعددة تطرحها الطاولة القيادية للحركة، ومن بين أبرز هذه الخيارات المطروحة هو الاعتماد على صيغة «القيادة الجماعية» لإدارة «كتائب القسام»، وذلك على غرار آلية المجلس القيادي المشترك الذي يتولى إدارة شؤون حركة «حماس» سياسياً وتنظيمياً في الوقت الراهن.

وبوقوع عمليتي اغتيال الحداد وعودة، تكون إسرائيل قد نجحت على الأرجح في تصفية جميع القادة العسكريين المخططين والمشرفين بشكل مباشر على هجوم السابع من أكتوبر 2023، فضلاً عن تصفية أعضاء المجلس العسكري وهيئة الأركان، باستثناء القيادي البارز في «القسام» عماد عقل؛ وهو الذي لم يكن مشاركاً في عمليات التخطيط أو الإشراف المباشر على ذلك الهجوم، لكن يُعتقد على نطاق واسع أنه كان على دراية وعلم مسبق به، نظراً لأنه كان موكلاً حينها -وظل كذلك حتى اغتيال عودة- بمهمة قيادة وتولي «ركن الجبهة الداخلية».

ما الخيارات القيادية المطروحة؟

تتطابق روايات ثلاثة مصادر من حركة «حماس» متواجدة داخل قطاع غزة، في إفادات وتصريحات منفصلة أدلت بها لـ«الشرق الأوسط»، على أن قرار اختيار أو إعلان اسم رئيس جديد لهيئة أركان «القسام» قد يستغرق هذه المرة مساحة زمنية أطول مقارنة بالسرعة الفائقة التي تم بها نقل وتحويل القيادة العسكرية من الحداد إلى عودة؛ ويعود ذلك لأسباب واعتبارات مختلفة، يأتي في مقدمتها «الوضع الأمني المعقد، والملاحقة الإسرائيلية الحثيثة والشرسة لكل شخصية يتم اختيارها وتعيينها في هذا المنصب».

ومن بين الأسباب الوجيهة الأخرى للتأني، وفق ما أوضحه أحد المصادر، هو «تأثير ضربات الاغتيال المتلاحقة داخلياً على بنية الحركة، الأمر الذي يستدعي التفكير العميق والتأني بشكل أكبر قبل اتخاذ القرار».

وفي المقابل، رجح المصدر الثالث أن «عملية اختيار القائد الجديد ستتم في وقت قريب، ولكنها ستحاط بسرية تامة ومشددة للغاية منعاً لتسريب الهوية الحقيقية للقائد الجديد للكتائب، لا سيما وأنه قد يكون من الشخصيات غير المعروفة إعلامياً أو التي لا يُنظر إليها شعبياً كشخصية محتملة لتولي هذه المسؤولية الكبرى».

وأقرت المصادر ذاتها بأن متوالية الاغتيالات المستمرة تسببت فعلياً في تصفية وغياب القيادات الكبيرة والتاريخية أو تلك التي تمتلك حضوراً كاريزمياً لافتاً داخل «القسام»، وهو الأمر الذي يضاعف من صعوبة ومحاذير مهمة الاختيار الحالية.

ومع ذلك، لم تستبعد المصادر الميدانية من داخل قطاع غزة، ومعها قيادي رابع يتواجد في الخارج، اللجوء إلى خيار مستحدث يتمثل في تعيين وتشكيل «مجلس قيادي عسكري» يدير الكتائب، على غرار المجلس الذي يدير الشؤون السياسية للحركة حالياً. وأوضح القيادي المتواجد خارج غزة أنه «ربما يتم الذهاب باتجاه تشكيل مجلس عسكري مصغر مكون من 5 أشخاص من أبرز القادة العسكريين المتبقين على قيد الحياة، ليتولوا قيادة وإدارة (القسام) خلال هذه المرحلة الحرجة والاستثنائية إلى حين استقرار الأوضاع الميدانية والسياسية».

القيادي عماد عقل.. الخيار الأبرز

وتكشف المصادر المطلعة في غزة أن «طاولة البحث تشمل خيارات متعددة لتسمية قائد أركان (القسام)، وهناك مرشحون بارزون لشغل المنصب، يأتي في طليعتهم عماد عقل، باعتباره آخر الشخصيات القيادية المتبقية في المجلس العسكري الحالي، إلى جانب إمكانية الاستعانة بشخصيات عسكرية أخرى كانت ضمن المجلس العسكري في سنوات سابقة وتركته، حيث جرى استدعاؤهم وطلب عودتهم مجدداً خلال الحرب الحالية لتولي قيادة أدوار ميدانية وإدارية محددة». ولا تستبعد المصادر بمجموعها أن يكون عقل هو القائد الفعلي لهيئة الأركان في الفترة القريبة المقبلة.

وتشير ثلاثة مصادر من «حماس» في القطاع إلى أن عماد عقل يُعد شخصية عسكرية وازنة وذات ثقل كبير، وقد تعرض لمحاولات اغتيال إسرائيلية مرتين على الأقل، أصيب في إحداها بشكل مباشر، وفقد عقل أحد أبنائه خلال الحرب الحالية على يد عناصر مسلحة تنتمي لعشيرة «دغمش» في مناطق جنوب مدينة غزة، حيث جرى اختطافه وقتله بعد يومين فقط من بدء وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر 2025، وهي الحادثة التي أعقبها صدور قرار قيادي صارم بمهاجمة العشيرة والقضاء على المسلحين المتورطين منها وجمع أسلحتهم، في حين كان عقل قد فقد ابنه الآخر في وقت سابق خلال مشاركته الميدانية في هجوم السابع من أكتوبر.

وينحدر عقل في الأساس من مخيم النصيرات للاجئين الواقع وسط قطاع غزة، واضطر مع بداية اندلاع انتفاضة الأقصى الثانية في نهاية سبتمبر (أيلول) عام 2000 إلى مغادرة المخيم والانتقال والعيش في حي الزيتون جنوب مدينة غزة.

وكان قد واجه اتهامات عام 2002 بالوقوف والمسؤولية المباشرة خلف عملية اغتيال العقيد راجح أبو لحية، قائد قوات حفظ النظام والتدخل السريع في أجهزة الشرطة التابعة للسلطة الفلسطينية حينذاك.

وعلى الصعيد المهني العسكري داخل الكتائب، تولى عقل لفترات قيادية متعددة مسؤولية «لواء الوسطى»، ثم انتقل لقيادة «لواء غزة»، كما تولى في مرحلة معينة مسؤولية وإدارة «ركن التصنيع العسكري»، قبل أن يستقر لسنوات أطول في قيادة «ركن الجبهة الداخلية».

مهند رجب… وشخصية تاريخية غامضة

وعلى مستوى البدائل والخيارات الأخرى المتاحة، تبرز في الرواق العسكري أسماء قيادية وازنة في «القسام»، مثل قائد «لواء غزة» الحالي مهند رجب، وقائد «لواء الشمال» عز الدين البيك (الذي حاولت إسرائيل اغتياله قبل أيام)، وقائد «لواء خان يونس» محمد البريم، إلى جانب طرح أسماء شخصيات كانت تشغل قديماً عضوية المجلس العسكري للكتائب، حيث يدفع بعض الأطراف داخل الحركة باتجاه إعادتهم لتصدر مشهد قيادة الأركان مجدداً.

وقال مصدر من «حماس» على معرفة وثيقة وشخصية بالقيادي مهند رجب، إن الأخير «شخصية عسكرية فذة تمتاز بالتفكير الاستراتيجي والخبرة الأمنية العالية والعميقة، وهي المؤهلات الفنية والقيادية التي مكنته من الترقّي والوصول لمنصب قائد (لواء غزة) على الرغم من وجود أسماء قيادية وعسكرية أقدم منه بكثير في الميدان؛ إذ إن قدرته العالية على وضع الخطط والاستراتيجيات العسكرية مكنته بنجاح من قيادة كتيبتَي (الصبرة) و(تل الإسلام)، فضلاً عن كونه كان يمثل ظلاً ومقرباً بشكل كبير من القائد الراحل عز الدين الحداد».

وذهب المصدر ذاته في ترجيحاته إلى أن «رجب يمتلك حظوظاً وافرة ونصيباً كبيراً ليكون القائد العام القادم لـ(القسام)، لا سيما وأن هناك العديد من الكوادر والقيادات الميدانية الجاهزة والتي قد تُرشح وتصعد كبديل عنه لتولي قيادة (لواء غزة) في حال ترفيعه».

وفي ذات الإطار، يتردد بدرجة أخرى اسم قائد «لواء الشمال» عز الدين البيك كخيار مطروح، شريطة أن تكون ظروفه الصحية والجسدية تسمح له بالاضطلاع بهذه الأعباء الكبيرة، وذلك بعد تضارب الأنباء والمعلومات حول طبيعة وحجم إصابته في الهجوم الجوي الإسرائيلي الذي استهدفه قبل أيام.

وفي ختام الاستعراض، كشف أحد المصادر القيادية عن وجود اسم مرشح آخر يمثل شخصية وصفها بأنها «تاريخية وغامضة للغاية»، مبيناً أن إسرائيل حاولت واجتهدت لاغتيالها عدة مرات خلال جولات الحرب الأخيرة دون جدوى.

وأكد المصدر -الذي رفض الكشف عن الاسم الحقيقي أو الهوية والتحديد الرسمي لهذه الشخصية المرشحة لقيادة «القسام»- بأن هذا القائد «بخير وغير مصاب، ويمتلك خبرة أمنية وعسكرية استثنائية وليست بالبسيطة، ويُعتبر من الرعيل الأول وقدامى العسكريين والأمنيين التاريخيين في صفوف الكتائب».

لا توجد مقلات اخرى

لا توجد مقلات اخرى