في الوقت الذي تتحدث فيه مصادر مطلعة عن تحقيق تقدم كبير في مفاوضات القاهرة، خاصة في أكثر الملفات حساسية والمتعلقة بسلاح الفصائل الفلسطينية وملف الموظفين، يواصل الاحتلال الإسرائيلي تصعيده العسكري في قطاع غزة بوتيرة غير مسبوقة، ما يطرح تساؤلات جدية حول أهداف هذا التصعيد، وما إذا كان يأتي في إطار إدارة مسار التفاوض عبر الضغط الميداني، أم أنه يعكس رفضًا إسرائيليًا فعليًا للمخرجات التي بدأت تتبلور على طاولة الوسطاء.
المشهد الحالي يحمل مفارقة واضحة؛ فمن جهة، تتحدث الأوساط السياسية عن اقتراب الأطراف من تفاهمات قد تفتح الباب أمام تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار والانتقال إلى المرحلة الثانية، بعد أشهر من المشاورات والوساطات المصرية والقطرية والتركية، ومن جهة أخرى، تشهد غزة واحدة من أعنف موجات القصف منذ انتهاء الحرب في أكتوبر الماضي.
وخلال الساعات الأخيرة، استشهد أربعة فلسطينيين، بينهم طفلان، وأصيب عشرات آخرون في سلسلة غارات إسرائيلية استهدفت مدينة غزة ومخيم البريج وخانيونس، فيما وصف مراسل التلفزيون العربي إسلام بدر ما جرى بأنه من “أصعب الليالي” منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.
ولم تقتصر الضربات على استهداف منازل سكنية، بل امتدت إلى خيام النازحين ومناطق مكتظة بالسكان، بعدما أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء لمناطق غرب مدينة غزة قبل تنفيذ غارات دمرت مربعات سكنية كاملة، وألحقت أضرارًا واسعة بالبنية التحتية وشبكات الكهرباء البديلة، كما تسببت في تشريد مئات العائلات مجددًا.
وتزامنت هذه التطورات مع قصف شقق سكنية قرب المستشفى الأهلي العربي “المعمداني”، ما أدى إلى اندلاع حرائق وإصابة نحو عشرين فلسطينيًا، معظمهم من الأطفال، بينما شهدت منطقة المواصي غربي خانيونس استهداف خيمة تؤوي نازحين، أسفر عن استشهاد طفلة وثلاثة فلسطينيين آخرين وإصابة عدد من المدنيين.
هذا التصعيد يثير تساؤلات حول الرسائل التي تحاول إسرائيل إيصالها، خاصة في ظل الحديث عن مرونة فلسطينية في بعض الملفات الخلافية داخل مفاوضات القاهرة، وهو ما قد يُفسَّر بأن تل أبيب تسعى إلى رفع سقف الضغط العسكري بالتوازي مع المسار السياسي، بهدف انتزاع مزيد من التنازلات أو إعادة رسم شروط المرحلة المقبلة.
في المقابل، يرى مراقبون أن استمرار العمليات العسكرية بهذا الحجم قد يعكس وجود تيار داخل الحكومة الإسرائيلية لا يرغب في الوصول إلى اتفاق نهائي، خصوصًا أن التجارب السابقة أظهرت أن كل تقدم في المفاوضات كان يتزامن مع تصعيد ميداني يعيد الأوضاع إلى نقطة الصفر أو يؤخر إعلان التفاهمات.
كما أن استهداف المناطق المدنية وخيام النازحين، رغم استمرار جهود الوسطاء، يبعث برسائل سلبية بشأن جدية إسرائيل في الالتزام بأي ترتيبات مستقبلية، ويضع الوسطاء أمام اختبار صعب للحفاظ على الزخم الذي تحقق خلال الأيام الماضية.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو مفاوضات القاهرة أمام مفترق طرق حاسم؛ فإما أن تنجح الضغوط الدبلوماسية في تحويل التقدم السياسي إلى اتفاق عملي يوقف العدوان ويؤسس لمرحلة جديدة، أو أن تستمر إسرائيل في استخدام التصعيد العسكري كورقة تفاوضية، بما يهدد بإفشال الجهود ويعيد القطاع إلى دائرة المواجهة المفتوحة، رغم المؤشرات الإيجابية التي بدأت تظهر على طاولة المفاوضات.
