كتب حسن لافي:
ما بعد الحرب، لا تبدو غزة فقط أمام كارثة إنسانية غير مسبوقة، بل أمام لحظة فلسطينية شديدة التعقيد أعادت طرح أسئلة القيادة والرؤية الوطنية والمستقبل السياسي للقضية الفلسطينية بأكملها. فسنوات الانقسام والتراجع السياسي، ثم الحرب الأخيرة بكل ما حملته من دمار ومعاناة، دفعت قطاعات واسعة من الفلسطينيين إلى فقدان الثقة بقدرة البنية السياسية التقليدية على إدارة المرحلة أو إنتاج مشروع وطني جامع.
في هذا السياق تحديدًا، يعود اسم القائد محمد دحلان إلى الواجهة الفلسطينية والإقليمية والدولية، ليس بالضرورة باعتباره مرشحًا لقيادة سلطة أو نظام سياسي جديد، بل بوصفه جزءًا من محاولة البحث عن حالة وطنية مختلفة، أكثر التصاقًا بالواقع الجديد الذي فرضته الحرب، وأكثر قدرة على التحرك ضمن التوازنات الإقليمية والدولية المعقدة التي تحكم مستقبل غزة والقضية الفلسطينية.
وهنا يجدر الإشارة إلى أن طرح اسم دحلان كلما دخلت الحالة الفلسطينية في أزمة كبيرة يرتبط بطبيعة النظام السياسي الفلسطيني وأزماته المتكررة أكثر من ارتباطه بشخصه. فدحلان لا يُطرح عادة في لحظات الاستقرار، بل يرتبط حضوره غالبًا بمراحل التحول أو الانهيار أو إعادة الترتيب داخل النظام الفلسطيني.
فالنظام السياسي الفلسطيني يعاني منذ سنوات من أزمة حقيقية في إنتاج قيادات انتقالية أو بدائل تحظى بشرعية واسعة، لذلك كلما تأزمت الحالة يعود التداول بنفس الأسماء الثقيلة تاريخيًا، مثل محمد دحلان ومروان البرغوثي، أو شخصيات توافقية محتملة. كما أن ارتباط دحلان بغزة في الوعي الفلسطيني يجعل اسمه يعود تلقائيًا كلما أصبحت غزة مركز الحدث السياسي.
لكن عودة اسمه لا تعني وجود قبول شعبي شامل له، بقدر ما تعكس شعورًا متزايدًا بأن النظام الفلسطيني الحالي لم يعد قادرًا وحده على إدارة المرحلة.
وفي الوقت نفسه، يتحرك دحلان خارج الإطار الرسمي دون أن يخرج بالكامل من الشرعية الفلسطينية التقليدية، باعتباره امتدادًا لجزء من المدرسة الوطنية المرتبطة بحركة فتح ومنظمة التحرير. هذا الموقع الرمادي يمنحه مرونة سياسية كبيرة وقت الأزمات، وقدرة على مخاطبة العالم ضمن خطاب سياسي مفهوم ومقبول دوليًا، خاصة في ظل حالة الفراغ التي تعيشها المؤسسات الفلسطينية.
ويضاف إلى ذلك امتلاكه شبكة علاقات عربية وإقليمية واسعة، خصوصًا مع دولة الإمارات العربية المتحدة ومصر، وهما دولتان باتتا تلعبان دورًا محوريًا في ملفات الإعمار وترتيبات ما بعد الحرب.
كما يرتبط حضوره بالتيار الإصلاحي والدور الإغاثي والإنساني الذي برز خلال الحرب، بما في ذلك جهود الإغاثة المرتبطة بعملية “الفارس الشهم 3”، وهو ما عزز حضوره في الوعي الاجتماعي لدى شريحة من الفلسطينيين.
وفي الوقت نفسه، فإن عودة اسم دحلان لا يمكن فصلها عن طبيعة المرحلة نفسها. فقد انتهت الحرب بموازين قوى مختلة بشكل كبير لصالح الاحتلال الإسرائيلي، ونتيجة لذلك برزت خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باعتبارها المقاربة السياسية الوحيدة التي نجحت حتى الآن في فرض مسار لوقف الحرب ضمن موازين القوى القائمة، كما أنها أصبحت عمليًا الخطة الأكثر حضورًا على طاولة الترتيبات الدولية، وما تبعها من قرار مجلس الأمن 2803 وما رافقه من حراك سياسي ودولي مرتبط بمستقبل غزة.
وفي ظل هذه الموازين، تبدو الخيارات الفلسطينية محكومة بالتعامل الواقعي مع هذه المقاربة، عبر محاولة الضغط على الإدارة الأمريكية لإلزام الاحتلال بتنفيذ الاستحقاقات الفلسطينية، وفي مقدمتها الإعمار ومنع مشاريع التهجير وتكريس السيطرة على ما تبقى من الأرض الغزية.
ومع ذلك، فإن إعادة طرح اسم محمد دحلان في كل مرحلة تتأزم فيها الحالة الفلسطينية لا تخلو من قلق وتحفظ داخل جزء واسع من الشارع الفلسطيني. فهناك من يرى أن تكرار العودة إلى الأسماء نفسها يعكس أزمة أعمق في النظام السياسي، تتمثل في العجز عن إنتاج قيادات وأدوات وطنية جديدة قادرة على تجاوز الحالة القديمة. كما يخشى البعض من أن يتحول البحث عن حلول سريعة إلى إعادة إنتاج شخصيات المرحلة السابقة بدل فتح المجال أمام مشروع وطني جديد يعيد بناء الشرعية والثقة الشعبية على أسس مختلفة وأكثر شمولًا.
ولذلك، فإن النقاش حول دحلان لا يتعلق بشخصه فقط، بل بالسؤال الفلسطيني الأوسع: ما المطلوب منه في هذه المرحلة؟
غير أن أي حراك وطني جاد لا يجب أن يُختزل في الأشخاص، بل في قدرته على إنتاج مساحة وطنية جديدة تتجاوز الحسابات الفصائلية الضيقة، وتفتح نقاشًا شاملًا حول مستقبل القضية الفلسطينية. فالقضايا المطروحة اليوم، من الإعمار والإدارة السياسية إلى شكل النظام الفلسطيني ومستقبل السلاح والعلاقة مع المجتمع الدولي، أصبحت قضايا وطنية مصيرية تحتاج إلى أوسع قدر ممكن من التوافق.
كما أن نجاح أي حراك وطني لن يكون مرتبطًا فقط بالعلاقات السياسية أو الدعم الإقليمي، بل بقدرته على الحفاظ على استقلالية قراره الوطني، وتقديم نفسه كمشروع جامع لكل الفلسطينيين، لا امتدادًا لمحور إقليمي ضد آخر.
إن المرحلة الحالية تتطلب خطابًا سياسيًا واقعيًا ومنظمًا، يعترف بحجم الاختلال القائم في موازين القوى، لكنه يتمسك في الوقت نفسه بالحقوق الوطنية الفلسطينية، ويعمل على تحويل صمود الناس ومعاناتهم إلى قوة سياسية وأخلاقية قادرة على مخاطبة العالم. فالمعركة اليوم لم تعد فقط معركة ميدان، بل أيضًا معركة رواية وصورة، وقدرة على إنتاج مشروع وطني قابل للحياة يعيد للفلسطينيين ثقتهم بأنفسهم وبإمكانية استعادة دورهم وقرارهم.
وربما لهذا السبب يعود اسم محمد دحلان مجددًا؛ ليس باعتباره إجابة جاهزة، بل كتعبير عن بحث فلسطيني متزايد عن أدوات وخطابات جديدة قادرة على التعامل مع الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون. فاللحظات التاريخية الكبرى لا تعيد طرح الأشخاص فقط، بل تعيد طرح سؤال القدرة على تحويل الانهيار إلى بداية جديدة.
