في كل مرة تصل فيها المفاوضات إلى طريق مسدود، تعود إسرائيل إلى لغتها التقليدية: التهديد بالحرب. التصريحات الأخيرة الصادرة عن مسؤولين في هيئة الأركان، والتي تتحدث عن أن جولة قتال جديدة مع حركة «حماس» باتت «حتمية»، تبدو للوهلة الأولى تمهيداً لتصعيد عسكري واسع. لكن القراءة المتأنية للمشهد تكشف مفارقة واضحة: ضجيج الحرب يتصاعد، بينما احتمالات اندلاعها فعلياً تتراجع.
المعطيات القادمة من كواليس التفاوض تشير إلى حالة جمود شبه كاملة. فالمحادثات متوقفة منذ أسابيع، ولا يوجد تقدم حقيقي، بل إن مصادر دبلوماسية تتحدث عن «رضا» ضمني من الطرفين عن هذا الجمود.
هذا القبول المتبادل ليس عجزاً بقدر ما هو إدارة محسوبة للأزمة، حيث يفضل كل طرف الإبقاء على الوضع القائم بدلاً من المخاطرة بانفجار غير مضمون النتائج.
في المقابل، تستخدم إسرائيل التهديد بالحرب كأداة ضغط، خصوصاً في ملف نزع سلاح «حماس» وفشل الترتيبات الأمنية المطروحة، بما فيها دور «القوة متعددة الجنسيات».
غير أن هذا الخطاب يصطدم بقيود استراتيجية حقيقية، على رأسها الموقف الأميركي. التقديرات الإسرائيلية نفسها تشير إلى أن واشنطن لن تمنح «الضوء الأخضر» لعملية عسكرية شاملة في غزة، تماماً كما تفرض قيوداً على سلوك تل أبيب في جبهات أخرى.
هذا العامل وحده كفيل بكبح أي اندفاعة نحو الحرب، لكنه ليس الوحيد. فالجيش الإسرائيلي يواجه واقعاً معقداً، يتمثل في انشغاله المتزايد بالجبهة الشمالية، واحتمالات التصعيد مع إيران.
في ظل هذا التداخل، يصبح من الصعب عملياً فتح جبهة واسعة في غزة دون استنزاف خطير للقدرات العسكرية.
لذلك، تبدو الاستراتيجية الأقرب للتطبيق هي استمرار ما يُعرف بسياسة «جز العشب»؛ أي تنفيذ عمليات محدودة وموضعية بدلاً من حرب شاملة. هذه المقاربة تتيح لإسرائيل الحفاظ على الضغط العسكري دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
الخلاصة أن إسرائيل لا تفتقر إلى الرغبة في التصعيد، لكنها تفتقر إلى الشروط التي تسمح به. وبين تهديدات الداخل وقيود الخارج، تبقى الحرب خياراً مؤجلاً، يُستخدم في الخطاب أكثر مما يُترجم على الأرض.
