أثار الإعلان عن التوصل إلى تفاهمات بشأن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، والتي تتضمن ترتيبات لنزع السلاح وإعادة إدارة القطاع، حالة من القلق داخل الأوساط السياسية والعسكرية الإسرائيلية، رغم أن الاتفاق يستجيب لعدد من المطالب التي لطالما رفعتها تل أبيب، وفي مقدمتها إنهاء الوجود العسكري للفصائل الفلسطينية.
ويرى مراقبون أن التحفظ الإسرائيلي لا يرتبط ببنود الاتفاق وحدها، بل بتداعياته السياسية والأمنية، خاصة مع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وما قد يترتب عليه من انعكاسات على مستقبل حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعلن أن “مجلس السلام” توصل إلى اتفاق يقضي بنزع السلاح الكامل لحركة حماس والفصائل المسلحة الأخرى في قطاع غزة، في إطار عملية تدريجية تنتهي بانسحاب القوات الإسرائيلية وبدء مرحلة جديدة لإدارة القطاع.
ورقة انتخابية مهددة
وتعتبر قضية غزة إحدى أبرز الملفات التي يعتمد عليها نتنياهو في حملته الانتخابية، إذ قدّم طوال الأشهر الماضية استمرار العمليات العسكرية باعتباره ضرورة للقضاء على حماس ومنعها من الاحتفاظ بسلاحها.
لكن قبول حماس بمناقشة ترتيبات السلاح، ضمن اتفاق أوسع يشمل إنهاء الحرب، سحب من الحكومة الإسرائيلية إحدى أبرز أوراقها السياسية، وهو ما دفع بعض وسائل الإعلام العبرية إلى الحديث عن مأزق يواجه نتنياهو، بعدما راهن على رفض الحركة لهذا المسار.
ويرى محللون إسرائيليون أن أي اتفاق ينهي الحرب قبل الانتخابات قد يُستخدم من قبل خصوم نتنياهو باعتباره دليلاً على أن استمرار العمليات العسكرية لم يكن الخيار الوحيد لتحقيق الأهداف المعلنة.
قيود على التحرك العسكري
ومن أبرز التحفظات الإسرائيلية أيضاً ما يتعلق بالقيود التي قد يفرضها الاتفاق على حرية الجيش الإسرائيلي في تنفيذ عمليات مستقبلية داخل قطاع غزة.
فوفقاً للتسريبات، تتضمن المرحلة المقبلة وقفاً طويل الأمد لإطلاق النار، وآليات رقابة دولية، إضافة إلى ترتيبات أمنية تمنع العودة إلى العمليات العسكرية إلا ضمن شروط محددة، وهو ما تعتبره المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تقييداً لقدرتها على التعامل مع أي تهديدات مستقبلية.
كما يثير الانسحاب التدريجي من القطاع مخاوف لدى دوائر إسرائيلية ترى أن أي فراغ أمني قد يمنح الفصائل فرصة لإعادة تنظيم قدراتها، حتى مع وجود ترتيبات رقابية دولية.
هواجس سياسية
ولا تقتصر المخاوف الإسرائيلية على الجانب الأمني، بل تمتد إلى البعد السياسي، إذ تشير تقارير إسرائيلية إلى أن المرحلة التالية من الاتفاق قد تمهد لعودة المسار السياسي الخاص بالقضية الفلسطينية، عبر حكومة تكنوقراط فلسطينية وإعادة ترتيب الإدارة المدنية في غزة، وهو ما ترفضه الأحزاب اليمينية التي تعارض أي خطوات يمكن أن تفضي مستقبلاً إلى إقامة دولة فلسطينية.
كما تتمسك إسرائيل بموقفها القاضي بضرورة إزالة جميع الأسلحة من قطاع غزة بصورة نهائية، في حين تتحدث الصيغة المطروحة عن جمعها وتخزينها ضمن آليات رقابة وإدارة جديدة، وهو ما تعتبره تل أبيب غير كافٍ لضمان عدم إعادة استخدامها مستقبلاً.
وبينما يرى الوسطاء أن الاتفاق يمثل فرصة لإنهاء الحرب وإطلاق عملية إعادة الإعمار، تنظر إليه إسرائيل باعتباره مرحلة مليئة بالتحديات السياسية والأمنية، ما يفسر استمرار حالة التردد والتحفظ، رغم التقدم الذي تحققه المفاوضات.
