شبّه رئيس لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، سرينيفاسان موراليدهار، الأوضاع في قطاع غزة بـ”الجحيم”، معتبراً أن إسرائيل تسعى إلى القضاء على استمرارية الفلسطينيين، وتستهدف الأطفال بشكل ممنهج، وفق ما جاء في مقابلة أجرتها معه وكالة الأناضول.
وجاءت تصريحات موراليدهارر “للأناضول” في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، حيث وصف الأوضاع الإنسانية بأنها “بالغة الخطورة”، مشيراً إلى أن لجنة التحقيق عرضت في 23 يونيو/حزيران الماضي تقريرها الأخير خلال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان، والذي أكد أن إسرائيل تواصل ارتكاب الإبادة الجماعية وغيرها من الجرائم الجسيمة، من بينها الاستهداف المتعمد للأطفال الفلسطينيين.
وأوضح التقرير أن أطفالاً فلسطينيين تعرضوا للاعتقال في السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية، وتعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة، دون الكشف عن أماكن احتجازهم.
وقال موراليدهار إن قطاع غزة شهد دماراً واسعاً في البنية التحتية، موضحاً أنه لا توجد كهرباء أو خدمات صرف صحي، فيما تعرضت أعداد كبيرة من السكان للتهجير القسري، واضطر كثير منهم إلى النزوح نحو جنوب القطاع.
وأضاف أن مخيمات النزوح تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، مؤكداً أن الأطفال يتعرضون للاستهداف بشكل خاص، وأن أحداً في غزة ليس في مأمن، مشيراً إلى أن الطائرات المسيّرة الإسرائيلية تستهدف الأطفال على وجه الخصوص.
وكشف أن نحو 700 شخص يضطرون إلى استخدام مرحاض واحد، في ظل غياب الخصوصية وسوء الظروف الصحية، واصفاً ذلك بأنه “تجربة مروعة”. كما أشار إلى وجود أعداد كبيرة من المرضى والجرحى الذين ينتظرون الإجلاء لتلقي العلاج، مؤكداً أن عمليات الإجلاء عبر معبر رفح تتم ببطء شديد وعلى نطاق محدود، رغم ما تعلنه إسرائيل.
وأكد أن العاملين في القطاع الصحي والمنشآت الطبية ودور الأيتام والمدارس تعرضوا أيضاً لهجمات متكررة، كما أن الصحفيين الفلسطينيين يواجهون الاستهداف، مضيفاً أن “الحياة في غزة أشبه بالجحيم”.
وأشار موراليدهار إلى أن الأردن ومصر ودولاً مجاورة أبدت استعدادها لاستقبال المرضى، إلا أن إسرائيل لا تسمح بإجراء العدد المطلوب من عمليات الإجلاء الطبي، كما تعرقل دخول المساعدات الإنسانية بصورة متعمدة.
وأوضح أن اللجنة ترسل تقاريرها إلى كل من السلطة الفلسطينية وإسرائيل عبر بعثتيهما الدائمتين لدى الأمم المتحدة، إلا أن إسرائيل “لم ترد على أي من هذه التقارير”، مضيفاً أنها تمنع أعضاء اللجنة من دخول الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو ما يحد من قدرتها على أداء مهامها.
وفي 11 يونيو/حزيران، أعلنت وزارة الصحة في غزة أن إسرائيل تعرقل سفر نحو 17 ألف مريض وجريح حاصلين على تحويلات طبية للعلاج في الخارج، محذرة من ارتفاع أعداد الوفيات بين المرضى المنتظرين.
لا يوجد وقف حقيقي لإطلاق النار
ورداً على سؤال بشأن وجود وقف فعلي لإطلاق النار في غزة، قال موراليدهار: “بالتأكيد لا”، مؤكداً أن الغارات الإسرائيلية لا تزال مستمرة، وأن الأطفال ما زالوا يتعرضون للاستهداف.
ووفق أحدث بيانات وزارة الصحة في قطاع غزة، أسفرت الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار حتى الخميس عن مقتل 1127 فلسطينياً وإصابة 3643 آخرين.
وأشار إلى أن اللجنة كانت قد نشرت في سبتمبر/أيلول 2025 تقريراً مفصلاً تضمن الأدلة التي دفعتها إلى الاعتقاد بوقوع إبادة جماعية في غزة، موضحاً أن التقرير الأخير أورد تصريحات لنواب وسياسيين إسرائيليين اعتبروا أن “كل طفل في غزة عدو، وكل طفل يولد في فلسطين إرهابي ويجب القضاء عليه”.
وأضاف أن التقرير وثق حالات استهداف ممنهج للأطفال، من بينها مقتل طفل رضيع بينما نجا الشخص البالغ الذي كان يحمله، إضافة إلى أطفال قتلوا أثناء حملهم الراية البيضاء أو جمع الحطب أو ملاحقة شاحنات المساعدات.
وأكد موراليدهار أن الأمثلة التي وثقتها اللجنة تتعلق بأطفال كانوا يمارسون أنشطة حياتية عادية، نافياً صحة التبريرات الإسرائيلية بشأن استخدام الأطفال دروعاً بشرية، ومشيراً إلى وجود “نية واضحة تستهدف القضاء على استمرارية الفلسطينيين كمجموعة بشرية”.
واعتبر أن ما يجري في غزة يمثل “إبادة جماعية مستمرة ومنهجية ومخططاً لها”، لافتاً إلى أن اللجنة قدمت هذا العام إحاطات أمام الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الإسلامي ومجلس الأمن الدولي، وأن العديد من الدبلوماسيين أبدوا انزعاجاً بالغاً مما ورد في التقارير.
دعوة لتحرك دولي
وفي حديثه عن الموقف الدولي، قال موراليدهار إن الرأي العام العالمي بدأ يتغير، موضحاً أن عدداً من السفراء أبلغوا اللجنة بأن شعوبهم لم تعد تقتنع بأن التعاطف مع الفلسطينيين يعني معاداة السامية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأطفال.
وأضاف أن اللجنة كشفت في تقريرها الأخير أسماء كتائب ووحدات وألوية في الجيش الإسرائيلي قالت إنها متورطة في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وأعمال إبادة جماعية، مشيراً إلى أن الدول تستطيع اتخاذ إجراءات قانونية بحق الأشخاص الموجودين على أراضيها.
وأكد أنه “لا ينبغي لأي طفل أن يموت جوعاً أو بسبب غياب الرعاية الطبية أو المساعدات”، مضيفاً أن استمرار ذلك يستوجب إعادة النظر في فعالية منظومة القانون الدولي إذا عجزت الدول عن ضمان دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة.
واختتم بالقول: “حان وقت التحرك، ولم يعد مقبولاً أن نقف مكتوفي الأيدي”.
ورغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار، لم تشهد الأوضاع المعيشية في قطاع غزة تحسناً ملموساً، بسبب عدم تنفيذ إسرائيل التزاماتها المتعلقة بفتح المعابر وإدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الغذائية والإغاثية والطبية ومواد البناء، فيما تواصل عمليات القصف والقتل والتدمير، مخلفةً أكثر من 73 ألف قتيل وما يزيد على 173 ألف جريح، إلى جانب دمار واسع طال نحو 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية.
