في الوقت الذي تزدحم فيه الشاشات بمسلسلات الأكشن والغموض والدراما المعربة ذات الميزانيات الضخمة، يجد السوريون أنفسهم، وبشكل لا إرادي، يعودون إلى يوتيوب لمشاهدة حلقة قديمة من “الفصول الأربعة” أو لوحة نقدية من “مرايا”. هذا الارتباط ليس مجرد “حنين” عابر، بل هو بحث عن “وطن” معنوي لا يزال يعيش في تلك المشاهد.
1. “الفصول الأربعة”: البيت الذي لم نفقده بعد
لماذا نبتسم بمجرد سماع موسيقى “إياد ريماوي” في الشارة؟ ببساطة، لأن منزل “كريمة ونجيب” لم يكن مجرد بلاتوه تصوير، بل كان يمثل النموذج المثالي للبيت السوري الذي نحلم به.
-
الواقعية السحرية: المسلسل لم يطرح قصصاً خيالية، بل تناول “نكد” الإخوة، تفاوت الطبقات بين الأصهرة (مالك الجوربار ونبيل الوجيه)، وأحلام الشباب (مازن وسوسو).
-
الأمان النفسي: في عالم مليء بالشتات، يقدم “الفصول الأربعة” جرعة من الأمان؛ فالخلافات تنتهي دائماً حول طاولة الطعام، والعائلة تظل السند الأخير مهما اختلفت المشارب السياسية أو الفكرية.
2. “مرايا”: عبقرية السخرية من الذات
إذا كان “الفصول الأربعة” هو العاطفة، فإن “مرايا” هو العقل السوري الناقد. ياسر العظمة لم يقدم مجرد كوميديا، بل قدم “أنثروبولوجيا” للمجتمع السوري.
-
استشراف المستقبل: عندما نشاهد لوحات “مرايا” اليوم، نصاب بالذهول من قدرتها على توصيف البيروقراطية، الفساد، والتحولات الاجتماعية التي نعيشها الآن.
-
البساطة العميقة: “مرايا” كان يضحكنا على عيوبنا، وهذا نوع من التصالح مع الذات. من شخصية “الواسطة” إلى “الموظف المغلوب على أمره”، نرى أنفسنا في كل كادر.
3. لماذا الفشل في استنساخ هذه الأعمال؟
حاولت الدراما السورية إنتاج أجزاء جديدة من أعمال كلاسيكية (مثل دنيا أو يوميات مدير عام)، لكنها لم تحقق نفس السحر. السر يكمن في أن تلك الأعمال القديمة كُتبت بأقلام تشبهنا (ريم حنا، دلع الرحبي، ياسر العظمة) وفي زمن كان فيه “الصدق العفوي” هو المحرك الأساسي، بعيداً عن حسابات التريند وشركات الإنتاج العابرة للقارات.
4. الدراما كخزان للذاكرة
بالنسبة للسوريين في المغترب، هذه المسلسلات هي “الخريطة” التي يشرحون من خلالها لأبنائهم كيف كانت الشوارع، كيف كان الناس يتحدثون، وكيف كانت تفاصيل الحياة البسيطة في دمشق وحلب. إنها ليست مجرد مسلسلات، بل هي “ألبوم صور” ناطق.
هل نحن عشاق الماضي أم كارهو الحاضر؟
ربما العشق لـ “الفصول الأربعة” و”مرايا” هو مزيج من الاثنين. نحن نعشق النسخة “الأنقى” من أنفسنا التي نراها في تلك الأعمال، ونهرب إليها من واقع صار فيه “البيت الكبير” مجرد ذكرى، والحوار الصريح مجرد لوحة قديمة من لوحات ياسر العظمة.
سيظل “نجيب” يمثل الأب الذي نفتقده، وستظل “مرايا” المرآة التي نرى فيها وجوهنا قبل أن تغيرها السنين والغربة.
