إذا كان الصداع الذي تعاني منه لا يمكنك الصيام معه إلا بمشقة كبيرة، وكان الصوم يزيده، وأخبرك الأطباء العدول أنه مزمن لا يرجى برؤه فإن عليك أن تفطر وتطعم عن كل يوم مسكيناً.
تتمحور هذه الفتوى الفقهية حول قاعدة “المشقة تجلب التيسير”، وتفصيلها الاستفاضي يقوم على ثلاثة ركائز أساسية تجمع بين الضابط الشرعي والتشخيص الطبي:
أولاً: معيار المشقة المعتبرة شرعاً
ليس كل صداع يُبيح الإفطار؛ فالصداع الخفيف الذي يحتمله عموم الناس لا يعد عذراً. أما المقصود هنا فهو الصداع “المانع” الذي يبلغ حداً من الألم لا يستطيع معه الإنسان ممارسة حياته الطبيعية، أو يؤدي الصيام إلى تفاقمه وزيادة حدته بشكل لا يُحتمل.
الشريعة الإسلامية قامت على حفظ النفس، وإذا كان الصوم سيحول العبادة إلى ضرر محض، فإن الفطر يصبح رخصة، بل قد يكون واجباً في حالات الخطر الشديد.
ثانياً: شرط “الطبيب العدل” والتشخيص الطبي
في الإفطار لا يكون للهوى الشخصي فحسب، بل يجب أن يعتمد على رأي “أطباء عدول” (أي أهل خبرة وأمانة). هؤلاء هم المنوط بهم تحديد طبيعة هذا الصداع؛ فإذا قرر الطب أن الصيام سيؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة أو أن الصداع ناتج عن خلل عضوي يتطلب تناول أدوية في أوقات محددة لا يمكن تأخيرها، هنا تنتقل الفتوى من دائرة “الظن” إلى “اليقين” بجواز الفطر.
ثالثاً: التفريق بين المرض العارض والمزمن (الفدية)
هنا يكمن الجوهر الفقهي للسطر؛ فالمريض الذي يُرجى شفاؤه (مرض عارض) يفطر ويقضي الأيام التي فاتته بعد رمضان.
أما إذا أجمع الأطباء على أن هذا الصداع “مزمن لا يُرجى برؤه” (أي حالة مستمرة لا يلوح في الأفق الطبي القريب علاج لها يسمح بالصيام مستقبلاً)، ففي هذه الحالة يسقط “القضاء” وتجب “الفدية”.
رابعاً: كفارة الإفطار (الإطعام)
عندما يصبح الصيام مستحيلاً بصفة دائمة، أوجب الشرع إطعام مسكين عن كل يوم أفطره الصائم.
ويقدر ذلك بـ “مُد” من طعام (حوالي 750 جراماً تقريباً من قوت البلد كالقمح أو الأرز)، أو ما يعادل وجبة مشبعة للمسكين. ويجوز إخراج قيمتها نقداً في بعض المذاهب (كالحنفية) إذا كان ذلك أنفع للفقير، وبذلك تبرأ ذمة المريض الذي منعه مرضه المزمن من الركن الرابع.
