أرشيف سويدي يوثق تاريخ غزة منذ العام 1960

محمد أسعدمنذ ساعتينآخر تحديث :
أرشيف سويدي يوثق تاريخ غزة منذ العام 1960
غزة 1960

يعمل عدد من الصحفيين السويديين على إنشاء أرشيف تاريخي يوثق العلاقات بين السويد وقطاع غزة، من خلال جمع شهادات وصور ورسائل وأفلام تعود لأشخاص عاشوا في القطاع أو عملوا فيه خلال العقود الماضية، في محاولة للحفاظ على ذاكرة غزة وتاريخها، في ظل الدمار الواسع الذي تعرضت له خلال الحرب الأخيرة.

ويركز مشروع «الأرشيف السويدي لغزة» (Svenska Gaza-arkivet) بشكل خاص على توثيق تجارب الجنود السويديين الذين خدموا ضمن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في القطاع، إلى جانب شهادات الفلسطينيين القادمين من غزة والمقيمين في السويد.

ومن بين الشخصيات التي وثق المشروع شهادتها لارش فولين، البالغ من العمر 87 عاماً، والذي وصل إلى غزة عام 1960 جندياً ضمن قوات حفظ السلام، لتبدأ منذ ذلك الحين علاقة طويلة مع المنطقة تركت أثراً عميقاً في حياته.

وقال فولين، في مقابلة مع صحيفة «Dagens ETC» السويدية، إنه وصل إلى مطار العريش المصري في مايو/أيار 1960، قبل أن ينتقل مع زملائه إلى قطاع غزة بواسطة شاحنة في رحلة استغرقت نحو أربع ساعات.

وأوضح أنه تقدم للخدمة العسكرية معتقداً أنه سيقضي صيفاً ممتعاً على شواطئ البحر المتوسط، لكنه اكتشف عالماً مختلفاً، تعرف خلاله على مجتمع غزة وتاريخها وثقافتها ودينها وسياساتها.

12 ألف جندي سويدي خدموا في غزة

وكان فولين واحداً من نحو 12 ألف جندي سويدي شاركوا في قوات حفظ السلام بقطاع غزة خلال الفترة الممتدة بين عامي 1956 و1967، ضمن قوة الطوارئ التابعة للأمم المتحدة (UNEF)، التي أُنشئت عقب أزمة السويس لمراقبة وقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل، وكانت أول قوة لحفظ السلام في تاريخ المنظمة الدولية.

وتضمنت مهام الجنود مراقبة خط الهدنة الفاصل بين قطاع غزة وإسرائيل، وهي تجربة لا يزال فولين يتذكر تفاصيلها، مشيراً إلى أن الخط كان عبارة عن خندق صغير يمكن تجاوزه بسهولة، رغم الحظر المفروض على عبوره.

وأشار إلى أن عدداً كبيراً من الجنود السويديين تعاطفوا مع الفلسطينيين الذين لجأوا إلى غزة عقب نكبة عام 1948، بعدما فقدوا منازلهم وأراضيهم.

وقال إن الجنود شعروا بأن ظلماً كبيراً وقع بحق هؤلاء السكان، الذين كانوا يعيشون حياة مستقرة نسبياً، ويمتلك بعضهم مزارع صغيرة وأشجار فاكهة وزيتون، قبل أن يُجبروا على مغادرة أراضيهم.

وأضاف أن الجنود تلقوا معلومات عن قرى عربية أُزيلت بالكامل، وهُدمت منازلها وقُطعت أشجارها، ما ترك انطباعاً عميقاً لديهم بشأن ما تعرض له الفلسطينيون.

غزة التي عرفها فولين قبل أكثر من 60 عاماً

وأمضى فولين نحو عام ونصف العام في قطاع غزة، عمل خلالها سائقاً للشاحنات التي تنقل المعدات بين مدينة غزة ورفح، الأمر الذي أتاح له التنقل بين مناطق مختلفة والتعرف على طبيعة الحياة اليومية للسكان.

ويستعيد الجندي السويدي مشاهد الطرق المحاطة بالأشجار المزهرة، وخطوط السكك الحديدية، ومواسم حصاد البرتقال، حين كانت الثمار تُنقل بواسطة العربات والحمير إلى الشاطئ تمهيداً لتصديرها.

وكانت الحمضيات آنذاك تشكل مصدراً مهماً للدخل بالنسبة إلى عدد من سكان القطاع، إذ كانت قوارب صغيرة تتولى نقل البرتقال إلى السفن الراسية بعيداً عن الساحل، في ظل عدم وجود ميناء كبير.

وخلال فترة وجوده، التقط فولين عدداً كبيراً من الصور التي احتفظ ببعضها لعقود، قبل أن يتبرع بجزء كبير من أرشيفه الشخصي للمشروع السويدي.

ولم تنته علاقته بالشرق الأوسط بمغادرته غزة، إذ واصل العمل ضمن قوات حفظ السلام في سوريا وقبرص، ودرس اللغة العربية، كما أعد أطروحة دكتوراه تناولت الظروف المعيشية في القرى الأردنية. وعاش نحو 12 عاماً في المنطقة، حيث التقى زوجته الحالية في الأردن.

وقال فولين إن غزة كانت نقطة التحول التي ربطته بالشرق الأوسط، ومنحته شعوراً بالمشاركة في جهود الحفاظ على السلام العالمي، دون أن يدعي أنه أسهم في صنعه.

واليوم، يتابع فولين تطورات الأوضاع في غزة من منزله بالعاصمة السويدية ستوكهولم، ويتعرف على أسماء المناطق التي زارها قبل أكثر من ستة عقود، لكنه يرى أن القطاع الذي عرفه لم يعد موجوداً.

وأضاف أن غزة كانت تضم نحو مليون نسمة خلال فترة وجوده، وكانت منطقة مكتظة بالسكان لكنها مسالمة، بينما يعيش فيها اليوم نحو مليوني شخص في مساحة تعاني دماراً هائلاً، مع اختفاء معظم المنازل، واصفاً المشهد بأنه «فظيع للغاية».

مشروع لحماية ذاكرة غزة من المحو

وتقف وراء مشروع الأرشيف الصحفية السابقة لوتا شوليرت والمصورة ميا غروندال، اللتان عملتا في قطاع غزة في مناسبات عديدة، إلى جانب الصحفي والكاتب بيرنت هيرميله، الذي يشارك في جمع الشهادات والوثائق من مختلف أنحاء السويد.

وبدأت فكرة المشروع تتبلور خلال الربيع، بعدما جعل الدمار الذي تعرض له القطاع منذ اندلاع الحرب الأخيرة مسألة توثيق تاريخه وحفظ ذاكرته أكثر إلحاحاً.

وقال هيرميله إن قصف المتاحف والمواقع الثقافية لا يؤدي إلى تدمير المباني والمقتنيات فحسب، بل يتسبب أيضاً في محو القصص والذكريات المرتبطة بها.

من جانبها، ترى شوليرت أن الأرشيف يمثل محاولة لمقاومة محو ذاكرة الأفراد وذاكرة المجتمع الفلسطيني بأكمله، من خلال جمع المواد التي توثق الحياة في غزة والعلاقات التي ربطتها بالسويد على مدى عقود.

ويضم المشروع مقابلات مسجلة وصوراً وأفلاماً ورسائل وخرائط ومقتنيات تاريخية، يجري حفظ بعضها بصيغته الأصلية، فيما تُحوّل مواد أخرى إلى نسخ رقمية لتسهيل الوصول إليها والاستفادة منها في الأبحاث والدراسات المستقبلية.

كما يتيح النظام الأساسي للمشروع إمكانية الاستفادة من المواد المحفوظة في جهود إعادة إعمار غزة مستقبلاً، ليس على مستوى المباني والبنية التحتية فحسب، وإنما أيضاً في استعادة الهوية الفلسطينية وتعريف الأجيال بتاريخها.

وأكدت شوليرت أن إعادة بناء غزة لا ينبغي أن تقتصر على المنازل والطرق، بل يجب أن تشمل أيضاً الحفاظ على الهوية والتاريخ والذاكرة الجماعية للسكان.

الفلسطينيون في السويد ضمن أولويات المشروع

ولا يقتصر الأرشيف على توثيق تجارب الجنود السويديين الذين خدموا في غزة، بل يمتد ليشمل الفلسطينيين الذين غادروا القطاع واستقروا في السويد، ونقلوا معهم ذكرياتهم وتجاربهم وتفاصيل من تاريخ مجتمعهم.

وتقول شوليرت إن الحفاظ على شهادات الفلسطينيين المقيمين في السويد يشكل جزءاً أساسياً من المشروع، نظراً إلى ما يحملونه من تجارب وذكريات تمثل امتداداً لتاريخ غزة خارج حدودها.

ويبحث القائمون على المبادرة عن أشخاص عملوا في مجالات الثقافة والصحافة والمساعدات الإنسانية والرعاية الصحية، إلى جانب الجنود السابقين الذين شاركوا في قوات حفظ السلام.

ويحظى الجنود السويديون الذين خدموا في غزة بأولوية خاصة، نظراً إلى تقدم معظمهم في السن، إذ تجاوز كثير منهم الثمانين عاماً، ما يجعل توثيق شهاداتهم أمراً ملحاً قبل ضياع تفاصيل تلك المرحلة.

ويرى هيرميله أن إجراء المقابلات مع هؤلاء الجنود يمنحهم فرصة لاستعادة تجارب مؤثرة من حياتهم، خصوصاً أن بعضهم لم يجد بعد عودته إلى السويد أشخاصاً يشاركونه ذكرياته عن غزة.

ولا يزال المشروع في مراحله الأولى، حيث ينشر القائمون عليه بعض المواد عبر منصتي فيسبوك وساوند كلاود، بالتوازي مع التعاون مع متحف البحر المتوسط في ستوكهولم ومتحف ثقافات العالم في مدينة يوتيبوري.

ويأمل القائمون على الأرشيف توسيع نطاق جمع الوثائق والمقتنيات التاريخية، وإيداع بعضها لدى المتاحف والمؤسسات المتخصصة، بما يضمن حفظها وإتاحتها للأجيال المقبلة، لتبقى شاهداً على تاريخ غزة وعلاقاتها الدولية، وعلى حياة مجتمع يسعى الفلسطينيون إلى الحفاظ على ذاكرته وهويته رغم ما تعرض له من دمار.

لا توجد مقلات اخرى

لا توجد مقلات اخرى