على مدار أكثر من ثلاث ساعات، استعاد الرئيس الفلسطيني محمود عباس محطات طويلة من تاريخ القضية الفلسطينية، بدءًا من زمن الثورة والمنفى، مرورًا بالمفاوضات واتفاق أوسلو وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية، وصولًا إلى الحرب في غزة وأوضاع الضفة والقدس والتعقيدات الإقليمية والدولية.
وتحدث عباس عن مصر بوصفها «أم العرب» وسند القضية الفلسطينية، مؤكدًا أنها كانت حاضرة منذ اليوم الأول للصراع، وما زالت سندًا للفلسطينيين والعرب، مشددًا على حرص القيادة الفلسطينية على إطلاع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على تطورات الأوضاع.
وعن الوضع الراهن، قال عباس إن غزة تعيش «دمارًا كاملًا»، وإن الوضع في الأراضي الفلسطينية صعب للغاية، مشيرًا إلى استمرار قتل الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم. وأكد أن الشعب الفلسطيني «لن يستسلم»، وأنه مصر على تحرير أرضه بـ«المقاومة السلمية»، معربًا عن أمله في الوصول إلى السلام مع إسرائيل وفق قرارات الشرعية الدولية.
وبشأن أحداث السابع من أكتوبر، قال عباس إن ما جرى أدى إلى دمار كامل في قطاع غزة، طال البنية التحتية والطرق والمباني وكل شيء، معتبرًا أن «الأمور تعرف بخواتيمها» وأن ما حدث لم يجلب سوى الدمار والخراب. وأضاف: «حاولنا بكل الطرق إيقاف هذه المذبحة في حق شعبنا حتى وصلنا إلى وقف إطلاق النار»، مؤكدًا أن لمصر دورًا أساسيًا في هذه الجهود.
لا هجرة من فلسطين
وفي ملف التهجير، شدد عباس على رفض الفلسطينيين الهجرة للمرة الثالثة، قائلًا: «الشعب الفلسطيني يرفض التهجير للمرة الثالثة. بعد عام 1948 وعام 1967 تعلمنا الدرس، لا هجرة من بلدنا، نموت فيها ولا نهاجر»، مشيرًا إلى أن شعار التهجير طرحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأن مصر رفضته بوضوح.
الضفة والاستيطان
وقال عباس إن هناك «اجتياحًا من المستوطنين» في شمال الضفة ووسطها وجنوبها، وإن الاعتداءات تجري تحت حماية قوات الاحتلال، معتبرًا الاستيطان من أخطر العوامل التي تهدد إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وأشار إلى بيان صدر في 8 سبتمبر عن 12 دولة، هي كندا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وآيسلندا وأيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد والمملكة المتحدة، أكد أن التوسع الاستيطاني والإجراءات الإسرائيلية في الضفة تقوض حل الدولتين، مع إعلان هذه الدول نيتها فرض أو دعم قيود تجارية مرتبطة بالمستوطنات.
من أوسلو إلى الدولة الفلسطينية
وتحدث عباس عن عودته إلى فلسطين بموجب اتفاق أوسلو، قائلًا إن مليونًا وثمانين ألف فلسطيني عادوا إلى الوطن، وإنه كان واحدًا منهم، وإن مقر منظمة التحرير والسلطة انتقلا إلى الداخل الفلسطيني بموجب الاتفاق والشرعية الدولية.
وفي حديثه عن المجلس الوطني الفلسطيني، وصفه بأنه الكيان الحاضن للفلسطينيين حول العالم. وأشار إلى أن 160 دولة تعترف اليوم بالدولة الفلسطينية، متوقعًا ارتفاع العدد بنهاية العام، ومؤكدًا أهمية الجهود الدبلوماسية والعربية، خصوصًا مصر والدول العربية والمبادرة السعودية الفرنسية.
وعن الولايات المتحدة، قال عباس إن الإدارة الأميركية لا تريد الاعتراف بالدولة الفلسطينية، لكنه يرى أنها «في الطريق إلى ذلك» بسبب تحول الرأي العام الأميركي لصالح القضية الفلسطينية. واستشهد بتجربة جنوب إفريقيا ونيلسون مانديلا، قائلًا إن العالم وقف معه باستثناء الولايات المتحدة التي اعترفت به في النهاية.
كما تحدث عن «المجلس الفلسطيني الأميركي»، الذي قال إنه تأسس قبل عشر سنوات ويضم اليوم 50 ألف عربي ومسلم، ويعمل على التوعية بالقضية الفلسطينية، معتبرًا ذلك تحركًا مهمًا لتشكيل جماعة ضغط داخل الولايات المتحدة.
الانتخابات الفلسطينية
وقال عباس إن القيادة الفلسطينية تبذل جهودًا كبيرة لإجراء الانتخابات في 28 نوفمبر المقبل، موضحًا أنها ستجري عبر لجنة مستقلة برئاسة الدكتور رامي الحمد الله، وهي صاحبة القرار في جميع مراحل العملية، من فتح باب الترشيح حتى إعلان النتائج.
واتهم إسرائيل بمحاولة عرقلة الانتخابات في غزة والقدس، مؤكدًا أن الانتخابات تمثل «ممرًا إجباريًا» لتوحيد الجغرافيا والديموغرافيا والحفاظ على وحدة الوطن الفلسطيني. وكشف أن الولايات المتحدة أرسلت رسائل تطلب تعطيل الانتخابات، قائلًا: «ولم نرد عليها».
وفي ما يتعلق باجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال عباس إن الولايات المتحدة رفضت للمرة الثانية منحه تأشيرة دخول لحضور الاجتماعات، مضيفًا: «وأعطوا إيران!».
إسرائيل والانتخابات
وحول التحولات داخل المجتمع الإسرائيلي مع اقتراب الانتخابات، قال عباس إن هناك «جرأة في الحديث الإيجابي عن الحق الفلسطيني»، لكنه حذر من أن وقوع أي حادث أمني قبل الانتخابات قد يعيد إنتاج الخطاب الأكثر تشددًا.
وأكد أن أي اعتداء قبل الانتخابات لن يخدم سوى اليمين المتطرف، وسيكون ذريعة تُستخدم ضد غزة والقضية الفلسطينية. كما لم يخفِ موقفه من بنيامين نتنياهو، معتبرًا أنه السبب في تدمير مسار أوسلو وتأخير حل الدولتين وما ترتب على ذلك من دمار وقتل للفلسطينيين.
المصالحة وإدارة غزة
وقال عباس إنه يريد المصالحة «مع الكل» ولا يستثني أحدًا، مؤكدًا أن كل فلسطيني من حقه المشاركة، شرط التوافق مع سياسة منظمة التحرير والالتزام بالشرعية الدولية، وأن تكون هناك «دولة واحدة بمؤسسات واحدة وسلاح واحد وبدون ميليشيات»، مضيفًا: «لأننا جربناها ولا نريد أن تموت الناس ببلاش».
وكشف عن قرب عقد مؤتمر للمصالحة تحت راية منظمة التحرير وبرعاية القاهرة.
وبشأن «صفقة القرن»، قال عباس إنه رفضها لأنها جعلت عاصمة فلسطين أبو ديس بدلًا من القدس، مؤكدًا أن أي حل لا يتضمن القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية غير مقبول.
أما بشأن إدارة غزة بعد الحرب، فقال عباس إن «مجلس السلام» يدير شؤون القطاع بشكل مؤقت، وإن للسلطة علاقة جيدة معه لمصلحة الشعب الفلسطيني، وضمان دخول المساعدات والمحافظة على وقف إطلاق النار.
وفي ختام حديثه، حذر عباس من خطورة بقاء «الخط الأصفر» الإسرائيلي في غزة وسوريا، معتبرًا أن استمرار وجود القوات الإسرائيلية وتمددها وفق هذه الصيغة يستدعي الحذر.
