دحلان: الانتخابات مصدر الشرعية والسلاح لا يحدد من يحكم

دعا لعقد اجتماعي جديد

محمد أسعدمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
دحلان: الانتخابات مصدر الشرعية والسلاح لا يحدد من يحكم
محمد دحلان

دعا القيادي الفلسطيني ورئيس تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، محمد دحلان، إلى إجراء مراجعة وطنية شاملة للتجربة السياسية الفلسطينية، وإقرار عقد اجتماعي جديد يقوم على الشراكة والانتخابات وسيادة القانون، وإنهاء حالة الانقسام، مؤكدًا أن السلاح لا ينبغي أن يكون وسيلة لتحديد من يحكم، وأن الشعب هو مصدر الشرعية.

جاء ذلك في رسالة وجهها دحلان إلى قيادات وكوادر وأعضاء تيار الإصلاح الديمقراطي، شدد خلالها على أن حجم الخسائر والدمار الذي لحق بالشعب الفلسطيني يفرض مراجعة التجربة السياسية السابقة، واستخلاص الدروس منها، بدلًا من التعامل معها باعتبارها مرحلة عابرة.

وقال دحلان إن “المسؤولية الوطنية والأخلاقية، بعد كل ما مر به شعبنا من فقدان وألم ودمار، وما أصاب مشروعنا الوطني من انقسام وتراجع، وما لحق بمؤسساتنا الوطنية من انهيار وضعف وتفكك، تستدعي ألا نتعامل مع ما جرى وكأنه محطة عابرة، أو أن نذهب إلى المستقبل بالأفكار والأدوات التي قادتنا إلى هذا الواقع”.

وأضاف أن الكارثة التي أصابت قطاع غزة، والمخاطر التي تواجه الضفة الغربية والقدس، إلى جانب ما أصاب المؤسسات الوطنية من ضعف وتفكك، “تفرض علينا مراجعة صادقة وشجاعة، لا لمحاكمة الماضي أو تصفية الحسابات، بل لفهم ما حدث، واستخلاص دروسه، ومنع تكراره”.

دحلان: السؤال لم يعد من كان على حق

وأكد دحلان أن الأولوية في المرحلة الحالية لم تعد تحديد الطرف الذي كان على صواب أو الذي أخطأ، وإنما البحث عن سبل حماية الشعب والقضية الفلسطينية وإنقاذ أهالي قطاع غزة، وصون الأرض والشعب في الضفة الغربية والقدس.

وقال: “لم يعد السؤال الأهم: من كان على حق ومن أخطأ؟ بل كيف نحمي شعبنا وقضيتنا، وننقذ أهلنا في غزة، ونصون أرضنا وشعبنا في الضفة والقدس؟ وأي نظام سياسي نريد أن نبنيه للأجيال القادمة؟”.

وأشار إلى أن الشعوب لا تتجاوز الكوارث من خلال إنكارها، وإنما عبر تحويل الألم إلى درس، والتجربة إلى وعي، والوعي إلى تغيير.

المشكلة في النظام وليس في التعددية

وقال دحلان إن تيار الإصلاح الديمقراطي ينظر إلى المرحلة المقبلة باعتبارها فرصة لبناء نظام سياسي يقوم على الشراكة، ويحافظ على الهوية الوطنية، ويحمي المواطن وكرامته، ويعيد إليه حق اختيار قيادته ومحاسبتها.

وأوضح أن هذه الرؤية ليست وليدة الظروف الحالية، مشيرًا إلى أنه كان منذ الانتخابات الفلسطينية الأولى عام 1996 مؤمنًا بأن النظام السياسي الفلسطيني لا يمكن أن يستقيم من خلال إقصاء القوى الأخرى، وأن الخلافات السياسية يجب أن تتم إدارتها داخل المؤسسات، وليس في الشارع أو باستخدام السلاح.

وأضاف أن التجربة الفلسطينية أثبتت أن المشكلة لم تكن في وجود حركتي فتح وحماس أو باقي التنظيمات، وإنما في غياب نظام قادر على إدارة هذا التعدد وفق قواعد موحدة تنطبق على الجميع.

وقال إن “عندما تصبح التنظيمات أقوى من المؤسسات، وتُقدَّم المصلحة الفصائلية على المصلحة الوطنية، يتحول الاختلاف إلى صراع، والصراع إلى انقسام، وهذا ما دفع شعبنا ثمنه طوال السنوات الماضية”.

دحلان: المراجعة يجب أن تكون بمسؤولية لا بإنكار

وشدد دحلان على أن المرحلة الجديدة يجب أن تبدأ بالاعتراف بما حدث، موضحًا أن الاعتراف بالمسؤولية الوطنية لا يعني أن الأخطاء كانت متطابقة أو أن المسؤوليات متساوية بين جميع الأطراف.

وقال إن هناك من أخطأ في التقدير السياسي، ومن أخفق في إدارة المؤسسات، ومن مارس الإقصاء، ومن استخدم السلطة والمال العام في الخصومة، ومن لجأ إلى القوة والسلاح، ومن فشل في منع الانقسام، ومن أسهم في إطالة أمده أو أغلق أبواب المصالحة.

وأكد: “لذلك لا نريد مصالحة تطمس الحقيقة، ولا وحدة تقوم على النسيان، ولا رواية يبرئ فيها كل طرف نفسه ويلقي بالكارثة على الآخرين”.

وأضاف أن الاقتتال الداخلي كان “جريمة وطنية”، مشددًا على أن أحد أهم الدروس التي ينبغي استخلاصها من التجربة الفلسطينية هو أن الدم الفلسطيني محرم في الصراع السياسي، وأن السلاح لا يحدد من يحكم، وأن القوة لا تمنح الشرعية.

ودعا إلى مراجعة التجربة الفلسطينية بشجاعة، والاعتراف بالأخطاء والتعلم منها، مؤكدًا أن الهدف ليس إثبات من كان أكثر صوابًا، وإنما ضمان عدم دفع الشعب الفلسطيني مرة أخرى ثمن أخطاء القيادات والقوى السياسية.

من صراع السلطة إلى شراكة الوطن

ودعا دحلان إلى الانتقال من حالة الصراع على السلطة إلى مفهوم الشراكة الوطنية، مؤكدًا أن الاختلاف مع حركة حماس أو حركة الجهاد الإسلامي أو قيادة السلطة لا يمنح أي طرف الحق في إلغاء الطرف الآخر.

وقال: “قد نختلف مع حماس أو الجهاد الإسلامي أو قيادة السلطة، وقد تكون بيننا خلافات عميقة، لكن الاختلاف لا يمنح أحدًا حق إلغاء الآخر. نريد أن تنتقل علاقتنا جميعًا من محاولة إضعاف الآخر إلى التنافس أمام الشعب، ومن الصراع على السلطة إلى الشراكة في حماية الوطن”.

وشدد على أن القاعدة التي يجب أن تحكم الحياة السياسية الفلسطينية تتمثل في أنه “لا غالب ولا مغلوب في الوطن، ولا سلطة تُكتسب أو تُحمى بالسلاح، ولا شرعية فوق إرادة الشعب”.

وأوضح أن الشراكة التي يدعو إليها لا تعني العودة إلى المحاصصة الفصائلية، مؤكدًا أن الشعب الفلسطيني أكبر من مجموع فصائله.

دحلان: الفصيل يمكن أن يحكم لكنه لا يملك الدولة

وأكد دحلان أن تيار الإصلاح الديمقراطي لا يدعو إلى إلغاء الفصائل الفلسطينية أو هوياتها أو تاريخها، بل إلى تغيير طبيعة علاقتها بالدولة ومؤسساتها.

وقال: “الفصيل يستطيع أن يفوز بالحكم، لكنه لا يملك الدولة. فالدولة لا تصبح ملكًا للحزب إذا فاز، والأمن والقضاء والإدارة والمال العام والوظيفة العامة مؤسسات للمواطنين، لا أدوات لتنظيم أو حزب”.

وأضاف أن السلطة ليست ملكية دائمة لأي طرف، وإنما تفويض مؤقت يمنحه الشعب من خلال الانتخابات، ويمكن للشعب استرداده بالطريقة نفسها.

وشدد على أن المطلوب ليس انتقال الهيمنة من طرف إلى آخر، ولا إعادة توزيع مؤسسات الدولة باعتبارها حصصًا بين الفصائل، وإنما الانتقال من المحاصصة إلى “دولة المواطنة والمؤسسات والقانون”.

عقد وطني اجتماعي جديد

ورأى دحلان أن المصالحة بين الفصائل وحدها لن تكون كافية إذا بقي النظام السياسي الذي أنتج الانقسام على حاله، داعيًا إلى إقرار عقد وطني اجتماعي جديد يحدد قواعد الحياة السياسية ويضع حدودًا لا يستطيع أي فرد أو فصيل أو سلطة تجاوزها.

وحدد دحلان مجموعة من المبادئ التي يرى ضرورة قيام هذا العقد عليها، أبرزها أن الشعب هو مصدر الشرعية والسلطات، وأن الانتخابات الحرة والدورية هي الطريق إلى تداول السلطة، مع ضرورة احترام نتائج الانتخابات وعدم الانقلاب عليها أو تعطيلها.

كما دعا إلى أن تكون سيادة القانون والمؤسسات فوق الأفراد والتنظيمات، وألا يكون هناك احتكار للسلطة أو التمثيل أو القرار الوطني، مؤكدًا أن استخدام السلاح والقوة في الصراعات الداخلية يجب أن يكون محرمًا وطنيًا، وأن تخضع الأسلحة والقوة المنظمة للسلطة الشرعية والقانون.

وشدد كذلك على ضرورة ألا يصدر قرار بالحرب أو السلم إلا من خلال مرجعية وطنية شرعية وجامعة، وأن تكون الأجهزة الأمنية والمال العام والوظيفة العامة مؤسسات وطنية لا أدوات حزبية.

وأكد أهمية صون الحقوق والحريات وكرامة المواطن للجميع، وإشراك المجتمع بكل مكوناته في صناعة القرار، وحسم الخلافات من خلال الحوار والقانون وصندوق الاقتراع، مع إخضاع الجميع للمسؤولية والمحاسبة دون استثناء.

وشدد دحلان على أن هذه المبادئ يجب ألا تبقى مجرد شعارات، وإنما ينبغي تحويلها إلى قواعد دستورية وقانونية ومؤسساتية تحمي النظام السياسي الفلسطيني من تكرار أخطاء الماضي.

دحلان: نريد فتح قوية وموحدة وديمقراطية

وقال دحلان إن تيار الإصلاح الديمقراطي لا يطرح هذه الرؤية بحثًا عن موقع في النظام السياسي القديم، ولا بهدف استبدال طرف بآخر، مؤكدًا أن التيار يريد حركة فتح قوية وموحدة وديمقراطية، كما يريد مشاركة جميع القوى الفلسطينية في الحياة السياسية، إلى جانب المستقلين ومؤسسات المجتمع والكفاءات.

وأوضح أن الهدف ليس أن يحل طرف محل طرف آخر، وإنما تغيير النظام الذي سمح لأي جهة باحتكار السلطة أو إقصاء الآخرين.

وقال: “لقد دفع شعبنا من الدم والدمار والانقسام ما يكفي، ولم يعد من حق أي منا أن يورث الأجيال القادمة صراعاته القديمة، ثم يقف أمام التاريخ مدافعًا عن مبرراته”.

دعوة إلى تمكين المرأة والشباب

وشدد دحلان على أن المسؤولية الوطنية تقتضي النظر إلى المرأة والشباب باعتبارهما مكونين أساسيين في المجتمع الفلسطيني وشريكين كاملين في صناعة المستقبل.

وقال إن المرأة ليست نصف المجتمع فحسب، وإنما شريك يمكن الاعتماد عليه دائمًا في أداء أعظم الأدوار، مؤكدًا أن تمكينها مجتمعيًا ووطنيًا وسياسيًا يسهم في تسريع عجلة التنمية وضمان استقرار المجتمع.

وأشار إلى أن المرأة الفلسطينية كانت دائمًا مستعدة للتضحية، ولذلك فإن الضرورة تقتضي أن يكون موقعها في صناعة القرار متناسبًا مع الدور الذي تمثله داخل المجتمع.

وفي ما يتعلق بالشباب، أكد دحلان أنه لا يحق لأي فئة عمرية أن تدعي تمثيلهم من دون إرادتهم، معتبرًا أن الشباب يمثلون جيل التحولات الرقمية والتكنولوجية الكبرى، وهم الأقدر على تحديد احتياجاتهم وترتيب أولوياتهم واقتراح دورهم في عملية البناء الوطني.

ودعا إلى دعم الشباب من خلال التربية والتعليم والتدريب والتمكين، بما يضمن جاهزيتهم لتولي المسؤولية والانتقال بثقة واقتدار نحو المستقبل.

دحلان: الوطن أكبر من الجميع

واختتم دحلان رسالته بالتأكيد على ضرورة فتح طريق سياسي مختلف، يقوم على احترام الاختلاف والتعددية والانتخابات والمؤسسات.

وقال: “مسؤوليتنا اليوم أن نفتح طريقًا مختلفًا يجعل الاختلاف حقًا لا تهديدًا، والتعددية قوة لا سببًا للانقسام، والانتخابات وسيلة لتداول السلطة، والمؤسسات أكبر من الأشخاص، والوطن أكبر من الجميع”.

وختم رسالته بالقول: “عشتم وعاشت فلسطين حرة.. ومعًا نبني وطننا ومستقبلنا”.

لا توجد مقلات اخرى

لا توجد مقلات اخرى