كشفت صحيفة “الغارديان” البريطانية، الخميس، أن خطة تعافي قطاع غزة التي يعمل عليها “مجلس السلام” المرتبط بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب شهدت تقليصاً كبيراً، بعدما تحولت من مشروع واسع لإعادة إعمار القطاع بالكامل إلى مشروع تجريبي محدود يتركز في جنوب قطاع غزة.
ووفقاً للصحيفة، فإن المشروع المقترح يقتصر على إنشاء مخيم مؤقت يستوعب عدداً محدوداً من النازحين من أصل نحو مليوني نازح في القطاع، على أن يخضع لإدارة مدنية وشرطية فلسطينية، إلى جانب قوة أمنية دولية صغيرة. وأضافت أنه لا يُتوقع أن يبدأ تنفيذ المشروع أو يرى النور قبل نهاية العام الجاري.
وأشارت الصحيفة إلى أن الأسابيع الأخيرة شهدت بعض الخطوات التمهيدية، من بينها وصول عدد محدود من الضباط المغاربة والكوسوفيين إلى إسرائيل ليشكلوا النواة الأولى لـ”قوة التثبيت الدولية” المكلفة بحماية المخيم التجريبي، كما أوشكت قاعدة لوجستية مخصصة لمركبات ومعدات القوة على الاكتمال قرب معبر كرم أبو سالم بين إسرائيل وقطاع غزة.
ورغم ذلك، أوضحت أن الأعمال التحضيرية للمخيم المزمع إقامته بالقرب من مدينة رفح لم تبدأ بعد، كما لم يجر إنشاء قاعدة الدعم الخاصة بقوة التثبيت الدولية. وتظهر صور الأقمار الصناعية، بحسب الصحيفة، أعمال تجريف للتربة فقط، دون وجود أي منشآت أو مبانٍ جديدة، مع توقعات بعدم إحراز تقدم ملموس قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر المقبل، والتي قد تؤثر على مستقبل حكومة بنيامين نتنياهو.
ولفت التقرير إلى أن المشروع الحالي يختلف بشكل كبير عن التصورات الأولية التي طرحها مجلس السلام عند إطلاق الخطة في يناير الماضي، حين أعلن جاريد كوشنر، صهر ترامب، عن رؤية تضمنت إعادة تشغيل البنية التحتية الأساسية في جميع أنحاء القطاع، بما يشمل شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والمستشفيات والمخابز، خلال مئة يوم.
وأضافت الصحيفة أن الخطة الحالية جرى إعدادها قبل أسبوعين خلال اجتماعات عقدت في قبرص، بمشاركة نيكولاي ملادينوف، ومستشارين من معهد توني بلير، وأعضاء اللجنة الوطنية لإدارة غزة، التي تضم 13 شخصية فلسطينية من التكنوقراط والمهنيين، وتتخذ من القاهرة مقراً لها بعد أن شكلها مجلس السلام مطلع العام، فيما لم تسمح إسرائيل لأعضائها بدخول قطاع غزة.
وبحسب التقرير، يتكون المخيم التجريبي من وحدات سكنية متنقلة (كرفانات) مخصصة لعشرات الآلاف من النازحين، على أن يقام داخل المنطقة العازلة قرب رفح، مع انسحاب القوات الإسرائيلية من خط التماس، بينما تتولى قوة التثبيت الدولية وقوة شرطة فلسطينية مدربة الإشراف الأمني على المعبر بين القطاع والمخيم، مع توقع أن يكون لإسرائيل دور في اعتماد أفراد القوة الأمنية.
وأشارت الصحيفة إلى أن تدريب القوة الفلسطينية لم يبدأ بعد في مصر، ومن المتوقع أن يستغرق عدة أشهر، كما يُنتظر أن يبلغ قوام قوة التثبيت الدولية نحو خمسة آلاف عنصر، أي ربع العدد الذي كان مطروحاً في التصور الأولي، بمشاركة قوات من المغرب وكوسوفو، وربما ألبانيا وكازاخستان، في حين لا يزال الإطار القانوني المنظم لوجود هذه القوة قيد التفاوض مع الحكومة الإسرائيلية.
ونقلت عن مسؤول مطلع على التخطيط قوله إن اكتمال المشروع على الأرض قبل ديسمبر 2026 سيكون إنجازاً مرضياً بالنسبة للقائمين عليه.
وأوضح التقرير أن الأولوية في السكن داخل المخيم ستمنح لسكان منطقة رفح السابقين، فيما لا تزال معايير اختيار بقية المستفيدين غير واضحة. كما أشار إلى أن بعض المنتقدين، ومن بينهم رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت، وصفوا المشروع بأنه يمهد لإقامة “معسكر اعتقال”، بينما يؤكد مسؤولو مجلس السلام أن حرية التنقل من وإلى المنطقة ستكون متاحة.
وفي الجانب الإنساني، ذكرت الصحيفة أنه سيتم السماح بإدخال نطاق أوسع من المساعدات إلى المخيم، إلا أن الحكومة الإسرائيلية لا تزال تميز بين المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار، وتسمح فقط بدخول الأولى.
أما التمويل، فأوضحت الصحيفة أن مصادر تمويل المشروع لا تزال غير محسومة، في ظل عدم توفير سوى جزء محدود من أصل 17 مليار دولار كانت مخصصة للخطة الأصلية. كما أشارت إلى إعلان مجموعة مانحي فلسطين التابعة للاتحاد الأوروبي جمع 883 مليون يورو لدعم مشاريع المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات في غزة، باعتبارها مشاريع مكملة لخطة مجلس السلام.
وأضاف التقرير أن مجلس السلام يجري مفاوضات لتحويل جزء من نحو 11 مليار دولار من عائدات الضرائب والأصول الفلسطينية المجمدة لدى إسرائيل لتمويل المشروع، وهو ما أثار اعتراض السلطة الفلسطينية، التي أكدت أن هذه الأموال حق للفلسطينيين ويجب الإفراج عنها دون شروط.
وختمت الصحيفة بالإشارة إلى أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة شهدت انقساماً بشأن المشروع التجريبي، وسط مخاوف من أن يؤدي إلى تقسيم سكان القطاع وإعطاء أولوية لفئة محدودة من النازحين على حساب بقية السكان، في وقت تؤكد فيه السلطة الفلسطينية أن أي ترتيبات مؤقتة يجب ألا تتحول إلى بديل عن حل شامل للأزمة الإنسانية في غزة.
