الدولار وعجز الميزان التجاري يلتهمان القوة الشرائية في سوريا

الدولار وعجز الميزان التجاري يلتهمان القوة الشرائية في سوريا
500 ليرة سورية

تواجه الليرة السورية ضغوطاً حادة وتذبذبات واضحة أمام الدولار الأميركي، مما فجر موجة غلاء غير مسبوقة أصابت الأسواق السورية بالجمود، وخاصة في قطاعي الملابس والأجهزة الكهربائية.

ورغم الظروف الأمنية، يؤكد خبراء اقتصاديون لـ “اندبندنت عربية” أن جذور الأزمة لا تقتصر على الحرب وحدها، بل تعود لعوامل هيكلية مركبة، أبرزها سياسة حبس السيولة، تراجع الحوالات الخارجية، وانكماش الأنشطة الإنتاجية، فضلاً عن خلل الميزان التجاري الناتج عن فاتورة استيراد ضخمة بلغت في قطاع السيارات وحده 5.5 مليار دولار منذ سقوط النظام السابق.

تقلبات حادة في سعر الصرف

شهدت الأيام القليلة الماضية تقلبات دراماتيكية؛ حيث قفز الدولار في دمشق إلى 13600 ليرة قبل أن يستقر نسبياً عند 13050 ليرة. وبالمقارنة، كان السعر يسجل 11750 ليرة في 28 فبراير الماضي (بداية المواجهات مع إيران)، بينما كان يحوم حول 10500 ليرة قبيل شهر رمضان الفائت.

ويُرجع “عامر خربوطلي”، مدير غرفة تجارة دمشق، هذا الانهيار إلى عجز الميزان التجاري، حيث لا تغطي الصادرات سوى 20% من المستوردات.

وأوضح أن الانفتاح على الاستيراد بعد سنوات من التقييد شمل سلعاً كمالية أغرقت الأسواق وضغطت على العملة المحلية، مؤكداً أن تحسن الليرة رهين بقدرة الصادرات على تغطية “الدولار السلبي” الناتج عن الاستيراد، وهو ما يحتاج لوقت وتطوير سلاسل الإمداد والاستثمار.

تعدد الأسعار و”دولار التحوط”

كشف المصرفي “نور الدين محمد” عن واقع معقد لتعدد أسعار الصرف في سوريا، مما يعكس خللاً في السياسات النقدية:

  1. السعر الرسمي: 11 ألف ليرة (إداري للحوالات الرسمية، ويغطي 10% فقط من الطلب).

  2. سعر المحروقات: متغير ويرتبط بالدعم الحكومي.

  3. سعر السوق الموازية: يتراوح بين 13050 و13600 ليرة.

  4. سعر التحوط: وهو الأخطر، حيث يسعر التجار سلعهم بناءً على سعر يتراوح بين 17 ألفاً و20 ألف ليرة لتأمين كلفة إعادة التخزين مستقبلاً، ما يعني أن المواطن يشتري السلع بضعف قيمتها الحقيقية قياساً لدخله.

ركود تجاري وسياسة “التقتير”

ميدانياً، يتحدث “ياسر الراعي”، صاحب سوبر ماركت بدمشق، عن اضطرار التجار لتغيير الأسعار مرات عدة يومياً، مما دفع المتاجر الصغيرة للتوقف عن استجرار السلع خوفاً من الخسارة.

ويشير “حسن أبو البرغل”، تاجر جملة، إلى انخفاض القدرة الشرائية بنسبة 35% مؤخراً، مؤكداً أن الاقتصاد يتجه نحو “الدولرة” الشاملة، حيث يُحرم أصحاب الدخل الثابت من الاستقرار المعيشي بسبب الهوة بين سعر صرف رواتبهم وسعر “التحوط” للسلع.

مقترحات الحلول والآفاق المستقبلية

يعتقد المحلل الاقتصادي “إبراهيم محمود” أن تراجع الإنفاق مرتبط بتناقص الحوالات وارتفاع تكاليف الإنتاج (خاصة الكهرباء)، مما جعل الاستيراد أرخص من الصناعة المحلية.

ودعا محمود إلى الإسراع في تأهيل آبار النفط لخفض فاتورة استيراد المشتقات (1.2 مليون دولار سنوياً)، مشيراً إلى أن موازنة 2026 تعول على إيرادات نفطية بنسبة 28%.

وحذر محمود من وصول الدولار إلى 15 ألفاً (مستواه قبل سقوط النظام) أو حتى 20 ألف ليرة إذا لم يتدخل المصرف المركزي بأدوات ناجعة.

وفي ندوة لـ “جمعية العلوم الاقتصادية”، وصف خبراء تطبيق اقتصاد السوق في سوريا بـ “المتوحش”، حيث تظهر آثاره الكارثية على حياة الناس دون إيجابياته.

وفي ظل تراجع الحوالات الخارجية التي بلغت 4 مليارات دولار عام 2025، تعاني العائلات من عجز مادي حاد، وهو ما أكدته سيدة سورية انخفضت حوالتها الشهرية من 200 إلى 100 دولار فقط في ظل غلاء مرعب.

ويختتم “جورج خزار”، مستشار وزير الاقتصاد السابق، بالتحذير من أن استمرار دعم المستوردات على حساب الإنتاج المحلي سيؤدي لارتفاع الدولار بمعدل 1000 ليرة شهرياً، مؤكداً أن استقرار الليرة يتطلب خطة عاجلة تضع خفض كلف الإنتاج ودعم الزراعة والصناعة على رأس أولوياتها.