بين الركام الذي لم يمنح مدينة غزة الراحة، وبين الأزقة التي تحفظ أصوات البحر أكثر مما تحفظ ضجيج العالم، يولد أحيانا ما لا يشبه الخراب، يولد ضحك خفيف، عنيد، يعرف كيف يتسلل من بين الشقوق، في غزة، حيث يصور الألم كل يوم، اختار عبد الكريم مصطفى الحمامي أن يصور الضحكة.
ربيع شهاب.. حين يصبح الدور ذاكرة
منذ أكثر من ثلاثة عقود، كان ربيع شهاب يقدم شخصية عليوة بخفة لا تفتعل، وبحضور يشبه الناس، لم تكن الشخصية مجرد دور تمثيلي، بل مرآة اجتماعية ساخرة، تختصر الحارة العربية بكل تناقضاتها الطيبة، عبارة “مهو الصحيح يعني” لم تكن لازمة لغوية فقط، بل مفتاحا لشخصية تقول ما تراه ببراءة ودهاء في آن معا.
عليوة.. لكن بلهجة غزة
عبد الكريم مصطفى الحمامي، المعروف بين الناس بـ “عليوة غزة”، لم يتعلم التقليد في معهد، ولم يدرس المسرح في أكاديمية، تعلم الضحك من الشاشة، وحفظ الملامح من الذاكرة، ثم أضاف عليها شيئا من روحه.
يقول عبد الكريم لموقع “رؤيا أخبار”، مبتسما بطريقته التي تشبه الشخصية: “أنا من صغري وأنا أحب ربيع شهاب من 30 سنة مهو الصحيح يعني، كنت أحضر حلقاته وأعيد المشاهد أكثر من مرة، وأحاول أطلع نفس الحركة، نفس النظرة، مهو الصحيح يعني”.
في غزة، ليس من السهل أن تنتج فيديو، الكهرباء ضيف ثقيل، والظروف الميدانية لا تمنح صانعي المحتوى ترف الوقت، ومع ذلك، يوضح عبد الكريم: “الفيديو الواحد ممكن يقعد يومين حتى يتم تصويره بسبب الصعوبة بغزة، مهو الصحيح يعني، مرات بنعيد المشهد عشان صوت الطيارة، ومرات عشان انقطع التيار، بس لازم يطلع مضبوط، مهو الصحيح يعني”.
موهبته لم تولد وحدها خلفها صديق آمن بها
العداء فارس أبو عمرة، الذي عرف عبد الكريم منذ سنوات، كان أول من قال له إن ما يفعله ليس مجرد تقليد عابر، يقول فارس: “كنت أشوفه يقلد عليوة بطريقة دقيقة جدا، قلت له: هاي موهبة، لازم الناس تشوفها، دعمته وساندته، وشجعته يصور وينشر، اليوم صار إله جمهوره، والناس بتنطر فيديوهاته”.
ويضيف فارس أن حلم عبد الكريم بسيط وواضح: “حلمه يزور الأردن، ويقابل الفنان ربيع شهاب شخصيا، نفسه يقعد معه، ويحكي له إنه عليوة عايش بغزة كمان”.
جمهور.. من قلب الحارة
لم يحتج عبد الكريم إلى حملة دعائية، انتشرت فيديوهاته بين الناس بسرعة، لأنهم وجدوا فيها ما يشبههم: بساطة، خفة ظل، وشيئا من الحنين، صار يعرف في الحي قبل أن يعرف على المنصات إذا مر في السوق، ناداه أحدهم: “قولها!” فيبتسم ويرد فورا: “مهو الصحيح يعني!”
يضحك الأطفال، ويهز الكبار رؤوسهم بإعجاب، في مكان اعتاد أن يذكر في نشرات الأخبار بوصفه مساحة حرب، يظهر شاب يصر أن يذكر العالم بأن هنا حياة أيضا.
ما بين حلم وحدود
حين يسأل عبد الكريم عما يتمنى، لا يتردد: “نفسي أزور الأردن وأقابل الأستاذ ربيع شهاب، مهو الصحيح يعني، وأقله إنه عليوة له جمهور بغزة، وإنه الناس هون بتحبه زي ما بحبه أنا”.
قد يبدو الحلم بسيطا، لكنه في جغرافيا معقدة يصبح أمنية كبيرة، ومع ذلك، لا يتوقف عن التصوير. لا يتوقف عن الضحك.
في غزة، حيث يقال إن كل شيء مؤجل، اختار عبد الكريم أن يؤجل الحزن فقط، أن يقدم للناس استراحة قصيرة من الأخبار الثقيلة، أن يقول، بوجه يشبه عليوة، إن الحياة ما زالت قادرة على الابتسام،
وربما لو شاهد ربيع شهاب يوما ما “عليوة غزة”، سيبتسم هو الآخر، ويكتشف أن الشخصية التي أطلقها قبل عقود، عبرت الحدود، وعاشت حياة جديدة، أما عبد الكريم، فيكتفي بأن يختم حديثه بطريقته: “إحنا بدنا نفرح الناس، مهو الصحيح يعني.”
