أظهر أن قصص فاطمة وريم ومنال لا تمثل حالات فردية، بل تكشف عودة متسارعة لظاهرة زواج القاصرات في قطاع غزة، بعد سنوات من التراجع النسبي، في ظل الحرب والنزوح وانهيار المنظومة المعيشية.
وبحسب اتفاقية حقوق الطفل، يُعد طفلًا كل من لم يبلغ الثامنة عشرة، وتُلزم الدول بمنع الزواج المبكر والقسري، كما تشترط اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة الرضا الكامل والحر في الزواج.
ورغم التزام فلسطين بهذه الاتفاقيات، ما زالت القوانين المحلية، خصوصًا في قطاع غزة، تفتح الباب أمام استثناءات قانونية.
في غزة، يستند تنظيم الزواج إلى قانون حقوق العائلة لعام 1954 والمذهب الحنفي، الذي يحدد سن المخطوبة بـ17 عامًا، لكنه يسمح للقاضي، وبموافقة الولي، بترخيص زواج من هم دون هذا السن، وصولًا إلى تسع سنوات للإناث، وفق مواد قانونية نافذة.
ويؤكد محامون أن الحرب فاقمت الظاهرة، خاصة بعد تدمير المحاكم الشرعية، وإنشاء محاكم متنقلة تعمل داخل مستشفيات ومبانٍ مؤقتة لتوثيق عقود الزواج.
خلال الحرب، أُبرمت عقود زواج لفتيات دون 17 عامًا، بذريعة “البلوغ الجسدي” والضرورة الإنسانية، وسط غياب أي آلية قانونية تُجرّم هذا النوع من الزواج أو تحاسب القائمين عليه، طالما تم بإذن القاضي وموافقة الولي.
ورغم إقرار القضاء الشرعي بارتفاع عدد هذه العقود، إلا أنه يعتبرها جزءًا من “موازنة استثنائية” فرضتها ظروف الحرب، ما يترك الفتيات بين نصوص قانونية مرنة وواقع قاسٍ، تُختصر فيه الطفولة باسم الحماية والضرورة.
قال المحامي عبد الحميد أبو ندى في تحقيق خاص لـ”الشرق فلسطين”، إن القوانين المعمول بها في قطاع غزة تتيح تزويج القاصرين ضمن استثناءات قانونية، موضحًا أن المادة السادسة تمنح القاضي صلاحية الترخيص بزواج الشاب قبل بلوغه الثامنة عشرة إذا بدت هيئته الجسدية مناسبة، فيما تمنح المادة السابعة القاضي الصلاحية ذاتها للفتاة قبل سن السابعة عشرة، بينما تحدد المادة الثامنة الحد الأدنى للزواج باثني عشر عامًا للفتى وتسع سنوات للفتاة.
وفي ظل حرب الإبادة المتواصلة على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تعرضت غالبية المحاكم الشرعية في شمال القطاع ومدينة غزة للتدمير الجزئي أو الكلي، ما أدى إلى توقفها عن تقديم خدماتها، ودفع إلى إنشاء محاكم شرعية متنقلة تعمل بإمكانات محدودة لتوثيق عقود الزواج وبعض المعاملات الشرعية الضرورية.
من جانبه، أكد مأذون شرعي يُدعى عبد السلام، فضّل عدم ذكر اسمه كاملًا، أنه خلال فترة الحرب سُمح بإبرام عقود زواج لفتيات دون سن 17 عامًا، بشرط التأكد من بلوغهن الجسدي، معتبرًا أن الزواج بات “حاجة إنسانية” في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع.
وأضاف أن القضاة والمأذونين اعتمدوا الإجراءات المعتادة رغم فوضى الحرب، بدءًا من مراجعة مختار المنطقة، ثم إعداد “المظبطة” عبر كاتب العرائض، واستكمال الإجراءات لدى المأذون الشرعي، وصولًا إلى موافقة القاضي، مؤكدًا أن هذه العقود “قانونية بالكامل”.
وفي السياق ذاته، أقر عضو المجلس الأعلى للقضاء الشرعي الشيخ عمر نوفل بارتفاع عدد عقود الزواج التي شملت فتيات دون سن الثامنة عشرة خلال الحرب، مشيرًا إلى أن القضاء الشرعي على علم بما يجري ويتابع الملف ضمن الأطر القانونية والإنسانية.
وأوضح نوفل أن دور القضاء لا يقوم على المنع المطلق أو الإباحة المطلقة، وإنما على الموازنة بين النص القانوني والواقع الاجتماعي، مؤكدًا رفض أي زواج يثبت أنه قسري أو يلحق ضررًا بالفتاة، مع إمكانية تأجيل أو رفض الطلبات التي لا تحقق المصلحة.
في المقابل، اعتبر المحامي محمد أبو عمرة أن الإشكالية لا تكمن في النصوص القانونية فقط، بل في غياب إطار قانوني يتيح محاسبة من يزوّج قاصرة أو يسهّل ذلك، موضحًا أنه لا توجد مادة صريحة تجرّم تزويج القاصرات طالما تم الزواج بموافقة الولي وإذن القاضي، في ظل شبه انعدام للطعون أو العقوبات.
وأشار أبو عمرة إلى أنه حتى في حال انتهاء الزواج بالطلاق أو ظهور آثار سلبية واضحة، لا تُفتح ملفات محاسبة، إذ يُنظر إلى الأمر قانونيًا على أنه خلاف أسري، وليس نتيجة مباشرة للزواج المبكر.
تحقيق خاص لـ”الشرق فلسطين”
إعداد: رشا أبو جلال
