كيف تحولت مأساة غزة إلى مشروع ربحي دولي؟

كيف تحولت مأساة غزة إلى مشروع ربحي دولي؟
غزة

منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم يعد المشهد محصورًا في أبعاده الإنسانية، بل انتقل تدريجيًا إلى مربع سياسي–اقتصادي دولي، تقوده الولايات المتحدة، حيث يُنظر إلى غزة لا كمدينة منكوبة خلّفتها حرب إسرائيلية مدمّرة، بل كمشروع استثماري وصفقات مالية كبرى.

هذا التحوّل الجوهري يتمثل في التعامل مع غزة بوصفها ساحة لإعادة الإعمار وإدارة مرحلة انتقالية بإشراف دولي، تقوده آلية جديدة أُطلق عليها اسم “مجلس السلام”، برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وما يرافق ذلك من ترتيبات مالية ضخمة واستقطابات سياسية واقتصادية عابرة للحدود.

إعادة إعمار… أم إعادة هندسة سياسية؟

ورغم أن الهدف المعلن يتمثل في إعادة إعمار القطاع وتوفير الخدمات الأساسية لسكانه، فإن القراءة الأعمق تشير إلى محاولة بناء إطار دولي جديد لإدارة غزة، يتجاوز الجانب الإنساني ليكرّس واقعًا سياسيًا واقتصاديًا مختلفًا، يرى فيه مراقبون صفقة مالية–سياسية تُدار من خارج القطاع، وتحول غزة من ساحة حرب إلى مساحة اتفاقات استراتيجية دولية.

“مجلس السلام”… صفقة مالية بغطاء سياسي

في هذا السياق، طرح ترامب مبادرة “مجلس السلام”، باعتباره هيئة دولية تُعنى بإدارة غزة والإشراف على إعادة إعمارها، ضمن خطة أميركية أوسع تهدف –وفق الخطاب الرسمي– إلى إنهاء الحرب وتحقيق ما يوصف بـ”السلام المستدام”.

وأُعلن عن التزامات مالية كبيرة من دول حليفة لواشنطن، إضافة إلى جهات دولية أخرى، تشمل تمويلًا أوليًا يُقدّر بمليارات الدولارات، من بينها مساهمات مالية ضخمة تضمن مقاعد دائمة داخل المجلس، في صيغة تدمج المال بالنفوذ السياسي.

وبحسب مراقبين، فإن هذا الإطار لا يقتصر على إدارة الشأن الفلسطيني، بل يشمل أطرافًا إقليمية ومنظمات دولية، بما يعكس إعادة رسم لدور غزة ضمن معادلات سياسية واقتصادية أوسع.

الحرب تتحول إلى سوق مفتوح

تحقيق استقصائي نشرته صحيفة “الغارديان” كشف أن ما يجري لم يعد مرتبطًا فقط بوقف إطلاق النار، أو نشر قوة دولية، أو تشكيل لجنة تكنوقراط، بل دخل مرحلة أكثر خطورة، تتمثل في استثمار الحرب ذاتها وتحويل الكارثة الإنسانية إلى سوق مفتوح للمصالح.

وفي ظل تدمير نحو ثلاثة أرباع مباني القطاع، وتقديرات الأمم المتحدة التي تضع كلفة إعادة الإعمار عند نحو 70 مليار دولار، يتحول هذا الرقم، في نظر شركات المقاولات والدوائر السياسية، من مأساة إنسانية إلى فرصة اقتصادية كبرى.

وأشارت الصحيفة إلى أن عددًا من الأسماء المنخرطة في “مجلس السلام” تربطها علاقات وثيقة بإسرائيل، وكان لها مواقف داعمة للحرب على غزة، ما يثير تساؤلات حول حيادية المجلس وأهدافه الفعلية.

سباق المقاولين يسبق السياسة

وبحسب وثائق ومصادر اطّلعت عليها “الغارديان”، يتنافس مقاولون أميركيون مقرّبون من إدارة ترامب، إلى جانب شركات ذات توجهات جمهورية واضحة، على السيطرة على ملفات المساعدات الإنسانية ولوجستيات إعادة الإعمار، حتى قبل إقرار آليات دولية شفافة أو بدء العمل الميداني فعليًا.

والمفارقة، وفق التقرير، أن الخطط التجارية تقدمت على السياسة، في وقت لم يبدأ فيه “مجلس السلام” عمله بعد، ولم تُعتمد أي منظومة رقابة دولية واضحة لإدارة هذا الملف المعقد.

لجنة إدارة غزة… خطوة محدودة الصلاحيات

إلى جانب المجلس الدولي، أُعلن عن تشكيل لجنة فلسطينية وطنية لإدارة قطاع غزة، تضم شخصيات تكنوقراطية غير حزبية، بهدف إعادة بناء المؤسسات المحلية وتنظيم الخدمات اليومية، على أن تعمل تحت إشراف المجلس الدولي.

غير أن هذه اللجنة، حتى الآن، لم تتمكن من إحداث تغيير ملموس على الأرض، في ظل استمرار التعقيدات السياسية والأمنية، وغياب بيئة مستقرة تتيح لها ممارسة مهامها بصورة فعلية.

الواقع الميداني… معاناة مستمرة

وعلى الرغم من الزخم السياسي والإعلامي المحيط بملف غزة، لا تزال الحياة في القطاع ترزح تحت أوضاع إنسانية قاسية، بفعل الدمار الواسع، ونقص الخدمات الأساسية، وارتفاع معدلات النزوح الداخلي.

كما يبقى الوضع الأمني هشًا، في ظل الخروقات المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار، واستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في بعض المناطق، لا سيما شرق القطاع.

وفي وقت يُتداول فيه مستقبل غزة في العواصم وغرف القرار، لا يزال سكانها يعيشون في خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، فيما تغيب معاناتهم اليومية عن كثير من الخطابات السياسية والإعلامية، التي تتحدث عن غزة كملف، لا كحياة بشر.