في خضم المشهد الفلسطيني المعقّد، وبين ضغوط إنسانية خانقة وحسابات سياسية متشابكة، يبرز تصريح شعث حول قرب فتح معبر رفح “خلال الأسبوع المقبل” كحدث يتجاوز كونه خبراً عابراً، ليصبح مؤشراً سياسياً بالغ الدلالة على طبيعة المرحلة القادمة في قطاع غزة، وعلى وزن اللجنة المرتقبة لإدارته برئاسته.
هذا التصريح، الذي قوبل بنفي إسرائيلي واضح حتى اللحظة، يعكس حالة الانقسام المعتادة بين الخطاب الفلسطيني والتقديرات الإسرائيلية، لكنه في الوقت ذاته يضع الطرف الفلسطيني وتحديداً اللجنة القادمة أمام اختبار مبكر وصريح: هل تمتلك هذه اللجنة أدوات فعل حقيقية قادرة على اختراق جدار الحصار، أم أنها ستنضم إلى قائمة طويلة من الأطر الإدارية والسياسية التي أطلقت وعوداً أكبر من قدرتها على التنفيذ؟
إن صحّ ما ذهب إليه شعث، وجرى بالفعل فتح معبر رفح أو التمهيد الجدي لذلك، فإن الأمر لن يُقرأ فقط بوصفه خطوة إنسانية لتخفيف معاناة السكان، بل كرسالة سياسية واضحة مفادها أن اللجنة القادمة ليست مجرد صيغة توافقية مؤقتة أو غطاء إداري هش، بل كيان يمتلك هامش حركة إقليمي ودولي، وقدرة على التأثير في ملفات شديدة الحساسية، لطالما اعتُبرت خارج متناول المؤسسات الفلسطينية.
عندها، يمكن الحديث عن بداية مختلفة، وربما غير مألوفة، لمسار إدارة غزة: بداية تقوم على تحقيق إنجاز عملي ملموس، لا على الخطابات والبيانات، وتمنح الشارع الغزي قدراً من الثقة المفقودة في جدوى أي ترتيب سياسي جديد. كما ستعزز هذه الخطوة من موقع شعث نفسه، بوصفه شخصية قادرة على ترجمة الاتصالات والوعود إلى وقائع على الأرض، وهو أمر نادر في التجربة السياسية الفلسطينية الحديثة.
في المقابل، إذا ما ثبتت صحة الموقف الإسرائيلي، واستمر إغلاق المعبر، فإن اللجنة ستكون قد تلقت أول ضربة لها قبل أن تبدأ عملها الفعلي. ضربة لا تتعلق فقط بمعبر حدودي، بل بمصداقيتها السياسية، وبمدى قدرتها على إدارة ملف بالغ التعقيد كغزة، المحاصَرة سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
فالبدايات المتعثرة غالباً ما ترسم ملامح النهايات، والتجربة الفلسطينية مليئة بهيئات ولجان وكيانات وُلدت محمّلة بالآمال، ثم سرعان ما تحوّلت إلى عبء جديد على المشهد السياسي، بعد أن اصطدمت بجدار الواقع الإقليمي والدولي، أو وقعت رهينة الانقسامات الداخلية والتجاذبات الحزبية.
من هنا، فإن التباين بين تصريح شعث والنفي الإسرائيلي لا يُختزل في مسألة تقنية تتعلق بموعد فتح معبر، بل يعكس صراعاً أعمق حول من يملك زمام المبادرة في المرحلة القادمة، ومن يحدد سقف الممكن والمستحيل في غزة. هل ستكون اللجنة القادمة فاعلاً حقيقياً في المعادلة، أم مجرد طرف يتلقى الإملاءات ويتعايش معها؟
الأيام القليلة المقبلة ستكون كفيلة بتقديم الجواب. فإما أن يشهد القطاع بداية مختلفة، تُبنى على إنجاز ملموس يفتح نافذة أمل ولو محدودة، أو أن يدخل مرحلة جديدة من خيبات التوقعات، تُضاف إلى سجل طويل من المشاريع السياسية غير المكتملة.
وفي الحالتين، لن يكون معبر رفح مجرد بوابة جغرافية، بل بوابة رمزية لقياس صدقية الوعود، وقوة الفاعلين الجدد، وحدود القدرة الفلسطينية على التأثير في واحد من أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في المنطقة.
بقلم: رئيس تحرير موقع جورتن نيوز
