تعتمد مُعظم الدول المُتقدّمة على التقنية في المنافذ الحدودية للتأكّد من هوية الشخص ومن صحّة بياناته الواردة على جواز السفر، فأنظمة قراءة بصمة الكف أو بصمة العين من أكثر الأدوات استخداما، إلا أن الاتحاد الأوروبي كان له رأي آخر، فالاعتماد على الظاهر لا يكفي، ويحتاج موظّفو المنافذ الحدودية إلى معرفة نيّات الشخص وكشف كذبه عند الوصول قبل السماح له بالدخول، وتلك تقنيات تُختبر حاليا وسترى النور خلال الأشهر القليلة القادمة.

كاميرات كشف الكذب
تعتمد الوكالات الأمنية على مجموعة كبيرة جدا من الأساليب لكشف الكذب والخداع، فبعض خُبراء لغة الجسد قادرون على رصد تلك الحالات عبر دراسة حركة الشخص أثناء استجوابه. بينما يُفضّل البعض وصل الشخص بجهاز كشف الكذب الذي يعتمد على مُعدّل التنفّس، ومُعدّل ضربات القلب، إضافة إلى ضغط الدم والتعرّق لمعرفة صدقه من عدمه، إلا أن تلك التقنيات قد ينجح البعض في خداعها بعد تدريب مُكثّف، ولأجل ذلك خرجت تقنيات جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة الذاتي.

بالحديث عن التقنية، يُمكن لخوارزميات الرؤية الحاسوبية معرفة تعابير وجه المُستخدم وتفسيرها عند الضحك، الغضب، الحزن، أو أي تعبير آخر ظاهر، تماما مثل قدرة الإنسان على تمييز تلك التعابير. لكنّ الباحثين في جامعة “إم آي تي” (MIT)، ومنذ عام 2015، عملوا على تطوير خوارزميات أقوى قادرة على تفسير التعابير المخفيّة خلف التعابير الظاهرة، لتكون قادرة بذلك على كشف حالات الخداع لتعويض القصور الحاصل في الأساليب التقليدية(1). بشكل عام، فإن آلية عمل خوارزميات الرؤية الحاسوبية تبدأ من تحديد عناصر الوجه كالفم، والعيون، والوجنات، وتلك عناصر تتغيّر مع تغيّر تعابير الوجه كالضحك أو الغضب، ومن هنا أصبحت الهواتف الذكية مثلا قادرة على التقاط صورة للمُستخدم بشكل آلي عندما يضحك، أو عندما تتغيّر ملامح وجهه.

ولم يكتفِ العُلماء بما هو ظاهر فقط، فهم حاولوا أيضا دراسة بعض التعابير الخفيّة التي تظهر على الوجه عند الضحك بشكل كاذب، أو عند تزييف أي تعبير ظاهر، إلا أن هذا الأمر لا يُمكن رصده بالعين المُجرّدة إلا في حالات نادرة، لتكون التقنية الخيار الأمثل في مثل تلك الحالات، فالخوارزميات تطوّرت وأصبحت قادرة على تكبير كل جزء من الوجه لرصد التعابير الخفيّة التي يبحث الأطباء عنها، وهو ما أعلنت عنه جامعة “إم آي تي” في وقت سابق، لتتطابق رؤية أطباء النفس منذ عام 1960 مع التقنية في عام 2015 للمرّة الأولى، وتُصبح الآلة قادرة على معرفة الحالة الحقيقة لأي شخص بمجرّد التقاط صور له.

دخول أوروبا
قرّر الاتحاد الأوروبي، بالتعاون مع هنغاريا، بدء اختبار نظام “آي بوردر كنترول” (iBorderCtrl)، النظام الذي سيُساعد عناصر الأمن على المنافذ الحدودية في تأكيد هوية المُسافرين من جهة، والتأكّد من صحّة نيّاتهم من جهة أُخرى، وهذا عبر مجموعة من التقنيات من بينها كاميرا تعتمد على الذكاء الاصطناعي لكشف الكذب(2)(3).

عند الوصول إلى اليونان أو هنغاريا أو لاتفيا، وهذا في الفترة الأولى فقط، سيتوجّه المُسافرون إلى مُساعد رقمي سيقوم بأخذ صورة لجواز السفر، وصورة لتأشيرة الدخول، مع الضمانات المالية أيضا، ليقوم فيما بعد بتشغيل كاميرا والبدء بطرح مجموعة من الأسئلة على المُسافر، وهنا يأتي دور الرؤية الحاسوبية وتقنيات التعرّف على الوجه لتحليل تعابير الوجه ومعرفة فيما إذا كانت الإجابات صحيحة أم كاذبة.

ولا يعني الاعتماد على المُساعد الرقمي التخلّص من ضرورة التوجّه إلى مكتب ختم جوازات السفر، فهذه الخطوة ثانية لا مفرّ منها، وسيقوم الموظّف خلالها بالتأكّد من صورة الشخص ومن أوراقه أيضا، مع النظر إلى النتيجة التي قدّمها المُساعد الرقمي، ففي حالة وجود حالات كذب، سيتم تحويل الشخص لتحقيق مُكثّف لاتخاذ القرار النهائي فيما بعد. أما في حالة عدم وجود أي شكوك، فالموظّف سيقوم بمنح إذن الدخول فورا دون أي مشاكل.

لم تنشر الشركة المسؤولة عن تطوير نظام “آي بوردر كنترول” أي تفاصيل تقنية عن المشروع الذي تبلغ تكلفة تطويره أكثر من 4.5 مليون يورو، وتلك تكاليف دفعها الاتحاد الأوروبي بالكامل، وهو ما يؤكّد جدّية العمل على المشروع وضرورة خروجه للنور في أسرع وقت مُمكن بعد الانتهاء من الفترة التجريبية لمدة ستة أشهر، وهذا ضمن مُختبرات مُختلفة لرفع مستوى الدقّة الحالي من 76٪ إلى 85٪، الحد الأدنى للدقّة المطلوب توفّره في التقنيات المُستخدمة على المنافذ الحدودية(4).

فشل الخوارزميات
على الرغم من ميزانية التطوير الضخمة، والاختبارات الكثيفة، فإن تلك الأنظمة قد تفشل، على الأقل خلال الفترة المُقبلة، خصوصا أن دراسة حالة وجه المُسافر بعد استقلال الطائرة قد تكون حالة غير منطقية لأن البعض قد يواجه انزعاجات تؤدّي إلى ملامح وجه غير سويّة بالنسبة للنظام. هذا الكلام نظري ولا يعتمد على حقائق علمية. لكن ماذا عن الحالات التي فشلت فيها أنظمة مُشابهة؟

في يوم المُباراة النهائية لبطولة دوري الأبطال الأوروبي التي جرت في “كادريف” (Cardiff)، استخدمت الشرطة الويلزيّة أنظمة للتعرّف على الوجه مُربوطة بقواعد بيانات تحتوي على آلاف الصور للمُشجّعين القادمين لحضور المُباراة، إلا أن الصدمة كانت في نسبة التعرّف الخاطئ التي بلغت 92٪ تقريبا. بحسب التقرير الرسمي، فإن النظام استُخدم 2470 مرّة، 2297 منها أكّد بشكل خاطئ أن الشخص الموجود أمامه هو مُجرم مطلوب، إلا أن الواقع عكس ذلك والتحرّيات أكّدت أن تلك النتائج خاطئة 100٪(5).

وفي مكان ليس ببعيد عن المملكة المُتحدة، وتحديدا في الولايات المُتحدة الأميركية، أظهرت التجارب أن أنظمة التعرّف على الوجه أخطأت أكثر من 15٪ عند استخدامها وقامت بالإشارة إلى بعض المواطنين على أنهم مطلوبون ومُتّهمون في وقت تخلو سجّلاتهم الأمنية من أي شائبة. وما يجعل الوضع أكثر سوءا هو أن خطأ تلك الخوارزميات حدث مع أصحاب البشرة السوداء والنساء أيضا، ليبدأ مجلس الشيوخ سجالاته حول شرعية استخدام هذه الأنظمة في الوقت الراهن من عدمها، وهنا الحديث عن الفترة منذ عام 2010، العام الذي بدأ فيه مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) في تطوير قواعد البيانات الجديدة التي تعتمد على الرؤية الحاسوبية(6).

في المُقابل، فإن تلك الأنظمة نفسها نجحت في مُساعدة رجال الشرطة على اعتقال مجموعة من المطلوبين، فهي تعرّفت على أكثر من 2000 شخص بشكل صحيح، وساهمت بإلقاء القبض على أكثر من 450 منهم أيضا(7).

في الوقت الراهن، لا يزال الحديث عن الاعتماد على هذه التقنيات ضمن دائرة ضيّقة، فالاتحاد الأوروبي يُريد رفع مستوى الدقّة خلال الأشهر الستة المُقبلة أملا في الوصول إلى الحد الأدنى المطلوب. كما أن الاعتماد على موظّف ختم جوازات السفر من شأنه الحد من تلك الأخطاء أو مُعالجتها بشكل آني. لكن المؤكّد أن تلك التقنيات باقية لن تذهب إلى أي مكان، فالصين على سبيل المثال دفعت أكثر من 6.4 مليار دولار لتطوير كاميرات مع أنظمة التعرّف على الوجه، وبعد نشر 170 مليون نظّارة مزوّدة بكاميرا، تنوي الاعتماد على 400 مليون نظّارة جديدة، لتكون الرؤية الحاسوبية الوجهة الجديدة للشرطة وللوكالات الأمنية(8).